الفصل ٦٢ و ٦٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الحادي عشر - 27/10 (5)

وضع فيل على وجهه تعبيراً وكأنه سمع أغرب شيء في حياته، وبدقة أكبر، بدا وكأن اسم "ألبرتو" يمر على مسامعه للمرة الأولى على الإطلاق .

أمام رد فعله غير المتوقع، لجمت الصدمة لساني وظللتُ أحرك شفتيّ بصمت.

يبدو أن فيل لم يتوقع مني رد الفعل هذا أيضاً، فظل يرمش بعينيه بدهشة قبل أن يسألني: " ما الذي تهذين به الآن ؟ ولماذا تعابير وجهكِ هكذا ؟ "

" …… "

" هل أخطأتُ في السمع ؟ أنتِ، أعيدي ما قلتِ الآن."

حينها فقط، نطق شعوري بالارتباك عبر صوتي المتردد: " ألا تعرف … ألبرتو ؟ "

أطلق فيل ضحكة ساخرة وكأن الأمر لا يصدق: " ألبرتو ؟ هل تظنين أنني أعرف كل شيء في هذا العالم ؟ ومن أين لي أن أعرف شيئاً كهذا ! "

… كيف لا تعرف ؟ هل يعني هذا أن صاحب هذا القصر ليس ألبرتو ؟

لقد قال فيل من قبل إنه "مدير قصر إرنست"، لذا اعتبرتُ من البديهي أن يكون الشخص الذي وظفه هو ألبرتو، أو أن يكون فيل هو ألبرتو نفسه، لكن بالنظر إلى رد فعله الآن ……

حركتُ شفتيّ مجدداً قبل أن أغلقهما تماماً لعجزي عن إيجاد الكلمات.

رفع فيل صوته بضيق لرؤية حيرتي: " ماذا هناك ؟ لا أعلم ما الذي كنتِ تودين قوله، لكن أسرعي وقولي ما عندكِ ! "

أمام إلحاحه، قررتُ الكلام في النهاية. عندما كشفتُ له أمر ألبرتو و رسالة الدعوة، ارتسمت الحيرة على وجه فيل، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ بدا وكأن أمراً ما قد علق في ذهنه فغرق في التفكير .

انتظرتُ ما سيقوله بصمت، ظناً مني أنه قد عرف شيئاً .

مضى وقت قصير قبل أن يفتح فيل فمه المطبق ويقول : " … إذن، ما تقصدينه هو أن الشخص الذي أرسل الدعوات هو صاحب هذا القصر ؟ "

" كنتُ أظن ذلك حتى سألتُك … ولكن بعد رد فعلك، لم أعد متأكدة من أي شيء."

مهما فكرتُ، فمن غير المنطقي ألا يعرف فيل ألبرتو .

سألتُه بحذر: " إذن، من هو الشخص الذي وظفك ؟ "

" آه … لا أفهم ما الذي تقصدينه أيضاً، لقد عشتُ هنا دائماً، لقد قلتُ لكِ إنني مدير هذا القصر ! "

" … لا، مهلاً، هل أنت من أحضرنا إلى هنا إذن ؟ "

" ليس أنا."

ارتميتُ بظهري على مسند الكرسي وقد فقدتُ القدرة على التعليق.

راقبني فيل بتمعن ثم قطب وجهه وكأنه عاجز عن استيعاب تفكيري: " سيدي ليس ألبرتو، كما أنني لستُ في وضع 'موظف' هنا."

… إذا كان له "سيد"، فكيف لا يكون موظفاً ؟

عندما رأى فيل أنني لم أفهم قصده تماماً، تحلى بالصبر وأضاف موضحاً: " لأشرح لكِ الأمر بلغة البشر، لنقل إن ذلك الشخص قد اشترى القصر، بعبارة أخرى، أنا لم يتم توظيفي لديه، بل أصبحتُ ملكيةً خاصةً له."

" آآه."  حينها فقط فهمتُ مقصده .

" همم، ومنذ متى وأنت موجود في هذا القصر إذن ؟ "

" أنا نفسي لا أعرف ذلك جيداً."

" … لماذا ؟ "

" هذا ما أشعر به فحسب، فلحظة تفتّح عينيّ كانت هي ذاتها اللحظة التي وطأت فيها أقدامكم هذا القصر."

" …… "

" لقد شعرتُ بذلك بشكل ضبابي … أنني كنتُ هنا منذ زمن بعيد، وأن مهمتي هي إدارة هذا القصر."

باختصار، لم تكن معلوماته دقيقة تماماً .

فكرتُ قليلاً ثم سألتُه بحذر: " من هو سيدك ؟ "

" أوتريفيلا."

لم أتوقع أبداً أن يجيبني فيل بهذه البساطة، لذا شعرتُ بالتفاجؤ، ولعل جزءاً من ذهولي كان بسبب اسم "أوتريفيلا" الذي أسمعه للمرة الأولى في حياتي .

أجاب فيل بنبرة تملؤها الثقة: " إنه أنبل شخص في هذا العالم."

" هل سبق لك وأن رأيت وجهه ؟ "

ثار غضب فيل فجأة عند سؤالي وصرخ: " كيف لمخلوق مثلي أن يجرؤ على مواجهة وجهه ؟ هذا لن يحدث أبداً ! كيف أتجرأ ! "

بقيتُ متفاجئة لبرهة أمام ثورته وصراخه، ثم تمتمتُ بهدوء: " لا داعي لكل هذا الغضب، كان مجرد سؤال."

قلبتُ عينيّ بارتباك محاولةً تلطيف الأجواء.

" هذا لأنكِ لا تتوقفين عن قول أشياء سخيفة ومثيرة للغضب."

" آسفة."

قدمتُ له اعتذاراً عابراً وغرقتُ في أفكاري. بأي حال، هل يعني هذا أن الاسم الحقيقي لمن حبسنا في هذا القصر هو "أوتريفيلا" ؟

إنه اسم لم أسمعه قط في حياتي. بينما كنتُ مستغرقة في تفكيري، بدا أن فيل قد شعر ببعض الأسف لصراخه في وجهي، فبدأ يثرثر مجدداً: " حسناً، ربما … ربما يمكنكِ أنتِ رؤيته يوماً ما، فأنتِ، على أية حال، إنسانة مميزة قادرة على التحدث معنا، أليس كذلك ؟ "

توقفتُ عند كلمات فيل المتتابعة وسألتُه بذهول: " … ألا يستطيع الجميع التحدث معك ؟ "

" بالطبع لا ! إن القدرة على محادثة وجودٍ ليس من هذا العالم ليس شيئاً يمكن للبشر العاديين القيام به ! حسناً، ربما 'بيبي' كائن من طبقة دنيا، لذا قد يتمكن من التواصل مع الآخرين، لكنني مختلف … أنا كائن من طبقة متوسطة ! "

لم أفهم حقاً ما الفرق بين الطبقة الدنيا والمتوسطة، فالأمر يزداد غموضًا .

على أي حال، هل القدرة على محادثة فيل هي إحدى سمات "اللاعب" ؟

سألتُه : " لماذا ؟ "

" هذا أمرٌ لا أعرف سببه الدقيق أنا أيضاً، أليس من المفترض أن تكوني أنتِ أعلم بالأمر مني ؟ "

لم يكن الأمر يفتقر تماماً للتفسيرات في عقلي، لكنني أجبتُه بهدوء: " لا أعلم."

فربما يكون هناك سبب آخر لا أدركه .

لم يستطع فيل إخفاء دهشته من جوابي: " ماذا ؟ هل كنتِ نائمة واستيقظتِ مثلي تماماً ؟ "

" …… "

" غريب ! لقد سمعتُ أن البشر لا يغطون في سبات شتوي."

قطب فيل حاجبيه لبرهة، ثم تابع كلامه وكأنني شخص مثير للشفقة: " شرط أن يتحدث الإنسان معي بسيط للغاية، كما تعلمين، يجب أن يكون الشخص قد مات مرة واحدة من قبل … هذا هو الشرط."

" … ماذا ؟ "

" بما أنني أنا و بيبي لسنا من كائنات هذا العالم، فمن أجل التحدث معنا يجب أن تكوني من الصنف ذاته، على أي حال، عليكِ أن تعتبري نفسكِ محظوظة لأنكِ …… "

" مهـ … مهلاً لحظة، يا فيل."

قاطعتُ كلماته المسترسلة بلهفة شديدة .

" ماذا ؟ "

" لا، ما أعنيه هو … هل تقول الآن إنني قد متُّ مرة واحدة من قبل ؟ "

بدا أن ارتباكي وتلعثمي أثارا ريبة فيل، فقطب وجهه منزعجاً: " كيف تسألينني أنا عن أمر كهذا ؟ أنتِ أكثر من يعرف حقيقة ذلك."

" …… "

وعندما لم يجد مني جواباً، أضاف فيل بصوت خافت يشوبه التردد: " … أليس كذلك ؟ "

" … لا أعلم."

في النهاية، لم يتمالك فيل نفسه و رفع صوته عاليًا: " آه، سأموت من الضيق حقاً ! لِمَ أنتِ غبية هكذا ؟ ألا تعرفين إن كنتِ قد متِّ أم لازلتِ على قيد الحياة ؟ "

بدأ بيبي بالقفز في مكانه وكأنه يحاول تهدئة فيل، أما فيل، الذي تضخم وجهه في المرآة من شدة الغضب حتى كاد يملأ إطارها، فقد أخذ نفساً عميقاً وقلص حجمه مجدداً .

" سأصبر من أجل صغيري العزيز بيبي فحسب ! "

كنتُ متفاجئة تماماً.

…… أنا، متُّ ؟

لكنني لم أمت قط، كنتُ واثقة من هذا الأمر على الأقل.

لو أنني متُّ في عالمي الأصلي ثم انتقلتُ إلى جسد فيفيان، لما شعرتُ بكل هذا الظلم، لكن دخولي إلى جسد فيفيان حدث حقاً ذات يوم وبشكل مفاجئ تماماً .

لقد كان بؤساً حلَّ بي وأنا أعيش حياة هادئة؛ لذا كنتُ أعتبر ما حدث مجرد حادث لا أكثر .

تمتمتُ دون وعي مني: " … لم يسبق لي أن متُّ."

أطلق فيل ضحكة ساخرة وكأن كلامي لم يعد له معنى: " إذا لم تكوني قد مِتِّ ثم عُدتِ للحياة، فكيف تتحدثين معي الآن إذن ؟ واو، هل أنتِ خجولة من كونكِ قد مِتِّ سابقاً ؟ "

" لا، ليس الأمر كذلك …… "

" ما لم تكوني قد قمتِ بفتح غطاء التابوت والخروج منه أمام حشد من الناس، فلا داعي للخجل، الأمر طبيعي."

وعندما لم يجد مني جواباً، ارتسمت علامات الدهشة على وجهه وسألني بحذر: " … ماذا ؟ هل قمتِ حقاً بفتح غطاء التابوت ؟ "

شعرتُ بصداع يفتك برأسي بسبب نبرة فيل. وضعتُ يدي على جبيني وهززتُ رأسي نفياً.

" إذن ما المشكلة ؟ بفضل ذلك يمكنكِ التحدث معي ومع بيبي."

بدأ بيبي بالقفز مجدداً وكأنه يؤيد فكرة أن موتي كان "أمراً جيداً".

راقبني فيل بصمت لبرهة، ثم أخرج وجهه من المرآة ماداً إياه نحوي، وبدأ يشمشم ملابسي كأنه كلب يتحرى أثراً ما.

جفلتُ من المسافة القريبة جداً التي تفصلني عنه وسألتُه: " مـ … ماذا تفعل ؟ "

" أتحقق فقط مما إذا كانت تفوح منكِ رائحة جثة."

" … وهل تفوح ؟ "

" هناك رائحة تعفن طفيفة، لكنها ليست سيئة للغاية."

" ماذا ؟ "

انحنيتُ أشم ملابسي على عجل، لكنني لم أستطع تمييز أي رائحة غريبة.

****************************

الفصل : ٦٣

اليوم الحادي عشر - 27/10 (6)، و اليوم الثاني عشر - 10/28 (1)

نقر فيل بلسانه وكأن حالي يثير رثاءه: " تسك، تلك ليست رائحة يمكن لبشرية مثلكِ أن تشمها."

حينها فقط تركتُ ملابسي التي كنتُ أتشبث بها. تنهد فيل بصوت خافت، ثم تابع حديثه بنبرة بدت وكأنها محاولة لمواساتي: " على أية حال، ما أردتُ قوله هو ألا تشغلي بالكِ كثيراً بكونكِ قد متِّ مرة واحدة، من قد يكترث لأمر كهذا ؟ "

جفلتُ بوضوح عند سماع كلماته. إن كان هناك من مات مرة، فلا بد أنها "فيفيان" وليست أنا.

بالطبع، يمكنني افتراض أنني متُّ دون علمي، لكن ذاكرتي الحالية لا تحتوي على أي ذكرى لحدث كهذا على الإطلاق .

" في عالمنا اليوم، كم عدد الأشخاص الذين يعيشون حياة سوية تماماً ؟ المهم أنكِ حية بطريقة ما، أليس كذلك ؟ "

إذا كانت فيفيان قد توفيت لسبب غامض، ودخلتُ أنا في جسدها الفارغ … لم تكن هذه الفرضية مجرد هراء، فكان عليّ وضع كل الاحتمالات نصب عيني .

وهذا يعني أن "الميت" الذي تحدثت عنه المهمة المخفية لم يكن لوجان … بل كانت … فيفيان .

الإجابة هي …… نهضتُ من مقعدي دون وعي، مما جعل فيل، الذي كان مسترسلاً في ثرثرته، يقفز فزعاً .

" لقد أخفتني ! "

" أنا … أنا آسفة، سأذهب أولاً."

بسبب ارتباكي الشديد، راقبني فيل بنظرات مرتابة، بينما أمال بيبي رأسه هو الآخر بحيرة من موقفي .

كنتُ أدرك تماماً مدى الغرابة التي أبدو عليها أمامهما، لكنني لم أكن أملك ترف القلق بشأن ذلك الآن.

غادرتُ غرفة الطعام على الفور.

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

عدتُ إلى غرفتي مباشرة وفتحتُ نافذة المهمة بلهفة شديدة .

[ المهمة الخفية ١# : عن الميت.]

[ يوجد ميت داخل قصر إرنست.
وهو يتظاهر بأنه من الأحياء، ويتسبب في ارتباك الناس.
اعثر على الشخص الذي يتظاهر بأنه حي.
المكافأة: ؟؟؟
الوقت المتبقي : يومان و 7 ساعات ]

في الحقيقة، كانت شكوكي لا تزال تحوم حول هذه المهمة .

فقد رأيتُ لوجان يموت أمام عينيّ، ثم عاد في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يكن، ولكن، رغم ذلك، كانت يدي تخط اسماً آخر غير اسم لوجان … كانت تكتب اسم "فيفيان".

[ فيفيان لوبيز.]

بدأ قلبي ينبض بعنف. وما إن أدخلتُ اسم "فيفيان"، حتى بدأت نافذة المهمة تصطبغ باللون الأحمر القاني .

— بييب … بييب.

دوى في أذني ضجيج استمر للحظات، لكن سرعان ما هدأ، وتلونت نافذة المهمة باللون الأزرق الصافي .

[ لقد قمتِ بإدخال اسم 'فيفيان لوبيز'.
هل ترغبين في تأكيد اسم 'الميت' ؟
… أريد التأكيد ! / أعطني مزيداً من الوقت.]

بأطراف أصابع ترتجف، حاولتُ الحفاظ على هدوئي وضغطتُ على زر التأكيد .

وعلى الفور ظهرت شاشة تحميل، ثم انفجر صوت موسيقى احتفالية في أذني .

[ تهانينا ! اسم الميت الذي تسبب في إثارة الفوضى بالقصر هو 'فيفيان'.]

حينها فقط، زفرتُ الأنفاس التي كنتُ أحبسها ببطء.

… كان فيل على حق. فيفيان ماتت مرة واحدة بالفعل .

[ تم منحكِ 500 قطعة ذهبية كمكافأة لإتمام المهمة، وستصل المكافأة المخفية إلى القصر خلال يوم غد.]

لكن لماذا غداً تحديدًا ؟ كان من الأفضل لو سلموني إياها الآن مع الذهب .

وبينما كنتُ أقطب حاجبيّ دون وعي، ظهرت نافذة نظام أخرى تلو الأخرى .

[ هل ترغبين في شراء النسخة الكاملة من 'عزيزتي'، باستخدام هذا الذهب ؟
( الرصيد الحالي: 500 قطعة ذهبية
المبلغ المطلوب: 50 قطعة ذهبية )
… أريد الشراء الآن ! / لا، أنا أحب الألعاب المليئة بالأخطاء البرمجية أكثر ! ]

ابتلعتُ ريقي بصعوبة. شراء النسخة الكاملة سيقلل بلا شك من الأخطاء غير الطبيعية في الوضع الحالي. وبالطبع، كان التخلص من تلك الأخطاء أمراً جيدًا بالنسبة لي، لكن كانت هناك مهمة أكثر إلحاحاً في الوقت الراهن .

… بطاقة تصويت إضافية .

كان عليّ شراؤها لأتمكن من سماع قصة هيلين من لوجان. ربما يكون الذهب الذي حصلتُ عليه كمكافأة مخصصاً للاستخدام داخل النظام فقط، لكنني لم أكن متأكدة، فقد يكون هو العملة المتداولة في "المتجر" أيضًا.

لذا، ضغطتُ على زر إلغاء الشراء .

[ لا يمكنكِ الاستمتاع باللعب بشكل طبيعي في نسخة التجربة المليئة بالأخطاء.
هل أنتِ متأكدة أنكِ بخير ؟
سأشتري النسخة الكاملة فوراً ! / لا بأس، أنا أحب الأخطاء ! ]

… ما خطب صياغة هذه الخيارات ؟

يبدو أن النظام يستميت لإقناعي بشراء النسخة الكاملة بأي ثمن .

أطلقتُ ضحكة ساخرة مريرة وضغطتُ على الخيار اللعين الذي يقول "أنا أحب الأخطاء".

حينها فقط، اختفت نافذة النظام تماماً .

ظللتُ أحدق في الفراغ للحظات، ثم أغمضتُ عينيّ بقوة.

كان رأسي يثقل بالهموم بشكل لا يُطاق .

اليوم الثاني عشر - 28/10

لم يكن الطقس جيداً منذ الأمس، واليوم وصل الأمر إلى حدوث رعد وبرق عنيفين .

منذ الصباح وأنا أواجه السماء التي تومض بالبرق، فشعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. لقد كانت عاصفة مطرية. ودوى في أذني صوت الرياح العاتية والمطر الغزير وهو يقرع النوافذ بقوة .

مع كل وميض للبرق، كان الضوء يتسلل عبر ثنايا السماء الملبدة بالغيوم. وبسبب عتمة السماء الحالكة، لم يعد بإمكاني حتى تخمين كم الساعة الآن.

خرجتُ من غرفتي وأنا أدلك ذراعيّ اللتين قشعرتا من البرد والرهبة. ولم يكن الجو خارج الغرفة بأفضل حال؛ فقد كان الهواء الذي يزحف فوق جلدي ثقيلاً و واخزاً، ولم يكن ذلك الثقل ناتجاً عن الرطوبة فحسب .

توقفتُ فجأة عن السير عندما تناهى إلى مسامعي صوت ماكس .

" يا للسخرية ! بعد أن كنتَ تتصرف بكل ذاك النبل والترفع، تصوتُ لمَن في الخفاء وبكل هذه الوقاحة ؟ "

كان ماكس يتصرف وكأنه على وشك الإمساك بتلابيب سيزار .

كانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها ماكس يتحدث بهذه النبرة، هو الذي لم يكن يفارق الضحك والعبث كلماته أبداً .

أما سيزار، فقد رمق ماكس بنظراته الجافة وأجاب بهدوء: " وهل كان عليّ نيل إذنك للقيام بذلك ؟ "

" ألم يكن من الأجدر بك ألا تكذب منذ البداية ؟ ألا ترى أن ما فعلتَه يثير الضحك حتى بالنسبة لك ؟ "

أطلق سيزار ضحكة خافتة ساخرة رداً على كلمات ماكس. كانت ضحكته حادة وهي تشق الهواء الثقيل من حولنا .

أمام برود سيزار هذا، احتقن وجه ماكس بغضب عارم وبدت ملامحه شرسة .

" أخبرني، هل تجد في الموقف ما يستدعي الضحك الآن ؟ "

أكمل ماكس حديثه وهو يجز على أسنانه: " بصراحة، هل فعلتَ أي شيء مفيد هنا ؟ أنا مَن يطرح الآراء، وأنا الوحيد الذي يأتي بالأدلة … ومع ذلك، تتجرأ أنتَ على الاشتباه بي ؟ "

" الاشتباه حق للجميع، علاوة على ذلك، ليس أنتَ مَن حاصرته الأصوات في التصويت، أليس كذلك ؟ "

اتجهت نظرات سيزار الباردة نحو لوجان، ثم أكمل: " لا أفهم حقاً لماذا كل هذا الغضب."

ما إن أنهى كلماته حتى تلون وجه ماكس بظلال الغضب المتضاربة .

لماذا الحديث عن التصويت فجأة … ؟

كان موضوعاً مباغتاً تماماً. ساورني الشك في أن التصويت الثاني قد بدأ بالفعل، فالتفتُّ بسرعة نحو جهاز التلفاز، لكن الشاشة لم تكن تعرض أي شيء غير معتاد.

تحدث لوجان، الذي كان يستمع للحوار، وهو يقطب وجهه بضيق: " صحيح أنني لا أحب هذا المحقق الوغد أيضًا، لكنه محق في هذه النقطة، أنا من تم اتهامه ظلماً بأنه القاتل، وليس أنت."

تحولت نظرات ماكس المتعطشة للدماء، والتي كانت مصوبة نحو سيزار، لتستقر فجأة على لوجان .

هز لوجان كتفيه بخفة وتابع: " إذا فكرت فيمن بدأ باتهامي أولاً، فلن تجرؤ على التفوه بمثل هذه الكلمات الوقحة."

" …… "

" لو لم يقل هذا الوغد سيزار إنه سيصوت لنفسه، لتم تأكيدي كقاتل فوراً دون إعادة تصويت أو أي شيء آخر، أليس كذلك ؟ "

دفع لوجان ورقة كان يمسكها نحو صدر ماكس بقوة أحدثت صوتاً، لكن ماكس لم يرمش له جفن وظل يحدق بلوجان بجمود . بسبب ذلك، ارتطمت الورقة بصدر ماكس ورفرفت قبل أن تسقط فجأة على الأرض .

" …… "

بملامح متصلبة، انحنيتُ والتقطتُ الورقة الساقطة .

[ < ورقة نتائج التصويت الأول > ]
( نتائج إعادة التصويت لن يتم الكشف عنها )
( النتائج مرتبة حسب : الشخص الذي صوّت ← الشخص المستهدف، يرجى الرجوع إليها للتأكد ).

> سيزار ← ماكس
> لوجان ← إيان
> فيفيان ← لوكاس
> ماكس ← لوجان
> لوكاس ← سيزار
> إيان ← سيزار
> كيڤن ← فيفيان
> أرييل ← لوجان

وفور قرائتي للورقة، ظهرت نافذة النظام مجدداً :

[ تم استلام المكافأة المخفية بنجاح ! ]

[ سيتم حفظ المكافأة المخفية في قائمة المقتنيات بشكل دائم، ويمكن الاطلاع عليها دون قيود.]

أهذه هي المكافأة المخفية … ؟

حدقتُ في ورقة النتائج بين يدي بملامح متجهمة . لقد كانت مكافأة غير متوقعة على الإطلاق، تماماً كما كانت محتويات الورقة.

النتائج كانت مغايرة تماماً لما رسمتُه في مخيلتي. خاصة قيام إيان ولوكاس بالإشارة إلى سيزار، فبالنظر إلى سلوكهما المعتاد، بدا تصويتهما ضده أمراً غير طبيعي .

كنتُ أظن على الأقل أن إيان سيصوت ضدي أنا. علاوة على ذلك، ألم يكن لوكاس يثق بسيزار ؟

" …… "

ولكن، المشكلة الأكبر من كل هذا هي حقيقة أنني أنا من وجّهت أصابع الاتهام إلى لوكاس قد انكشفت الآن.

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان