الفصل ٦٠ و ٦١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الحادي عشر - 27/10 (3)

عند سماع كلمات هانا، استحضرتُ في ذهني فوراً تلك الأوراق التي كانت هانا تمسك بها عندما عُثر عليها مغشياً عليها .

أجبتُها بنبرة حاولتُ جاهدةً أن تبدو مرتبكة: " كما قلتِ تماماً، لقد نُقلتُ إلى المستشفى سابقاً … ولكن، كيف عرفتِ ذلك ؟ "

" لقد التقينا في مستشفى 'برياتون' من قبل، رغم أنكِ كنتِ غائبة عن الوعي حينها، لذا من الطبيعي ألا تتذكري."

قطبت هانا حاجبيها قليلاً وكأنها تسترجع مظهري في الماضي، ثم تمتمت وكأنها تحدث نفسها: " لقد كنتِ في حالة مريعة وجثة هامدة تقريباً."

… حالة مريعة ؟

وفقاً لما قاله الطبيب، فإن شخصاً ما عثر عليّ ملقاة على الطريق وقام بنقلي إلى المستشفى .

بالطبع، أدرك أن مظهر "فيفيان" وهي ملقاة هناك لن يكون صحياً بأي حال، لكن نبرة هانا الآن لم تكن تشير إلى مجرد هزال جسدي أو شحوب، بل بدت وكأنها تصف شيئاً أكثر سواداً .

قلتُ بابتسامة خجلة: " … ليس بيدي سوى الاعتذار لأنني جعلتكِ ترينني في ذلك المظهر المزري."

" لا داعي للاعتذار، ففي النهاية لم تكن رؤيتي لكِ سوى مجرد لمحة عابرة."

ساد صوت اصطدام الأواني المعدنية أرجاء غرفة الطعام .

رمقتني هانا بنظرة خاطفة ثم سألت: " هل قدمتِ شكركِ ؟ سمعتُ أن هناك شخصاً معيناً هو من قام بنقلكِ إلى المستشفى."

" لا، لم أفعل."

" ولماذا ؟ "

وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالإجابة على سؤالها، دخل كيڤن إلى غرفة الطعام .

لمحتُ ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه عندما رآني، لكنه سرعان ما تجمد في مكانه حينما وقعت عيناه على هانا الجالسة أمامي .

" …… "

بدا أن هانا أيضاً قد تفاجأت بظهوره.

سرق كيڤن نظرات حذرة نحو هانا، وأخذ يقلب عينيه بارتباك، ثم ما لبث أن استدار وغادر غرفة الطعام على عجل، حتى قبل أن تسنح لي فرصة لإيقافه.

راقبت هانا ظهر كيڤن وهو يبتعد بصمت، ثم التفتت نحوي وقد تجهمت ملامحها تماماً .

" … هل كان هناك طفل في هذا القصر أيضاً؟"

أومأتُ برأسي بحذر تأكيداً لكلامها. حينها فقط، ظهرت أولى بوادر المشاعر على وجه هانا الذي كان يتسم بالجمود طوال الوقت. لقد كان غضباً واضحًا لا لبس فيه.

" … كم قال عمره؟"

" سمعتُ أنه في التاسعة."

أطلقت هانا ضحكة ساخرة باردة تنم عن ذهولها .

" إذن، هناك طفل في التاسعة من عمره … محتجز في هذا القصر اللعين."

قطبت هانا وجهها بقوة لدرجة مخيفة. جفلتُ من شدة غضبها العارم، لكنني لم أستطع النطق بكلمة واحدة؛ لأنني كنتُ أتفهم تماماً مبررات هذا الغضب .

" …… "

زفرت هانا أنفاسها بعمق في محاولة منها لكبح جماح غضبها .

أخذت تدلك صدغيها بأصابعها ثم سألتني: " إذن، هذا الطفل كان موجوداً في الطابق الأول طوال الوقت ؟ ليس في الثاني ؟ "

" نعم."

" وهذا يعني، أنه عندما وقعت جريمة القتل في الطابق الأول، كان ذلك الطفل شاهداً عليها أيضاً."

" …… "

لم أجرؤ على إجابتها. أطلقت هانا ضحكة حادة، ثم نهضت من مقعدها فجأة.

" سأغادر أولاً."

غادرت هانا غرفة الطعام دون أن تنتظر ردي حتى.

نهضتُ من مكاني بذعر ولحقتُ بها. خرجتُ مسرعة خلفها من غرفة الطعام، لكن أثر هانا كان قد اختفى تماماً، وكذلك اختفى كيڤن.

ظننتُ أنهما توجها إلى الطابق الثاني، فأسرعتُ نحو الدرج، وعندها فقط، اصطدمتُ بسيزار الذي كان ينزل للتو.

سألته بصوت لاهث ومذعور: " هل رأيتَ كيڤن في الطابق الثاني ؟ والآنسة هانا أيضاً ؟ "

بدا أن نبرة صوتي المرتفعة قد فاجأته، إذ اتسعت عيناه للحظة، لكنه سرعان ما استعاد بروده المعتاد وأجاب بنبرة جافة: " إنهما في الطابق الثاني."

" شكراً لك."

تجاوزتُ سيزار على عجل وصعدتُ نحو الطابق الثاني، لكن في تلك اللحظة، راودني شعور بالتردد فالتفتُّ إليه وناديتُه: " سيزار."

توقفت خطواته على الدرج واتجهت نظراته نحوي على الفور. وبمجرد أن واجهتُ عينيه الفضيتين الجافتين، تلاشت الكلمات من عقلي وظللتُ أحرك شفتيّ بصمت .

قال سيزار بصوته المنخفض: " تحدثي، أنا أسمعكِ."

" … لا شيء، فقط ناديتُ اسمك بلا سبب."

كنتُ أرغب في معرفة ما إذا كان قد عثر على شيء ما، وبماذا يفكر الآن، لكن لسبب غريب، لم تخرج الكلمات بسهولة .

كنتُ أخشى أنه كلما تحدثتُ أكثر، كلما تسربت مني معلومات أمامه. وفي الوقت نفسه، كنتُ أدرك أن تصرفي بهذا الغباء سيثير شكوكه لا محالة، فإخفاء حماقتي كان أمراً مستحيلاً بالنسبة لي.

قطب سيزار حاجبيه قليلاً. وأمام هذا التغير الطفيف في تعابير وجهه، استجمعتُ شتات نفسي وتفوهتُ بسؤالٍ كان يراودني : " سمعتُ أن ريموند ذهب للبحث عنك."

" …… "

" قبل أن تدخل إلى هذا القصر."

توقف سيزار عن الحركة بشكل نادر عند سماع كلماتي.

سألتُه بهدوء: " … ماذا دار بينكما من حديث ؟ "

أجاب بنبرة خالية من أي مشاعر: " لا شيء مهم، أظن أننا لم نتحدث سوى في أمور لا قيمة لها."

أمور لا قيمة لها …

" … فهمت."

أمسكتُ بحاجز الدرج بقوة. شعرتُ وكأن جداراً كبيرًا وصلباً قد ارتفع بيني وبينه، وأدركتُ بشكل ضبابي أنني لن أتمكن من هدم ذلك الجدار أبداً .

فأنا لستُ صادقة تماماً أمامه … والشخص الذي يتستر بالأكاذيب لا يمكنه أن ينال الثقة .

أبعد سيزار نظراته عني وتابع: " اصعدي، يبدو أنكِ تبحثين عن هذين الشخصين."

" … شكراً لك."

ألقيتُ عليه تحية قصيرة وانتقلتُ إلى الطابق الثاني .

بمجرد دخولي، وقع بصري على كيڤن و هانا الواقفة أمامه، كانت هانا تمسك به وتتحدث معه في أمر ما. لقد لحقتُ بهما قلقةً بسبب السرعة التي غادرت بها هانا غرفة الطعام، لكن على عكس مخاوفي، بدا الجو بينهما جيداً.

رغم أن ملامح هانا القوية جعلت وجه كيڤن يبدو مظلماً قليلاً، إلا أنه لم يكن يبدو خائفاً منها؛ بل كانت عيناه تلمعان بالفضول رغم شفتيه المتيبستين.

لم أرغب في مقاطعة حديثهما، فعدتُ أدراجي من الطابق الثاني وتوجهتُ نحو غرفة الطعام، كنتُ أنوي تنظيف المكان الذي أكلت فيه هانا.

… لكن، كان هناك شخص قد سبقني بالفعل إلى غرفة الطعام، كما أن الأطباق التي كانت فوق الطاولة قد اختفت تماماً.

قبضتُ على يديّ بقوة.

يبدو أن إيان لم يشعر بوجودي بسبب صوت تدفق المياه، فقد كان منهمكاً في غسل الأطباق فحسب.

اقتربتُ منه وقلت: " سأقوم أنا بهذا."

حينها فقط سمع صوتي واتجهت نظراته نحوي، لكنه منعني بحركة من يده وكأن الأمر لا يهم: " لا بأس، كما أنني أشعر براحة أكبر حين أقوم بذلك بنفسي."

[ انخفضت نسبة ثقة 'إيان وايت' بك بمقدار 3%.]

" ولكن … أشعر بالآسف لتركك تفعل ذلك."

أجبتُه بتردد … لكن، لسبب ما، شعرتُ بالظلم .

لو فكرتُ في الأمر، فهذه الأطباق ليست لي أصلاً ولم أستخدمها. ومع ذلك، شعرتُ أن إضافة معلومة بأن هذه الأطباق تخص هانا سيبدو أمراً سخيفًا، بل وسيجعلني أبدو دنيئة بعض الشيء .

رد إيان بنبرة هادئة على كلماتي: " ما الداعي للأسف ؟ من الطبيعي أن يقوم الشخص المتفرغ بالتنظيف."

يا له من بارع في التهكم بأسلوب راقٍ.

رمقني إيان بنظرة خاطفة وأنا واقفة في مكاني كالجماد، ثم قال لي بحذر: " يمكنكِ الانصراف."

" لكنني لستُ موافقة على ذلك."

توقفت يدا إيان عن الحركة عند سماع ردي. واتسعت عيناه اللتان تراقباني لبرهة، ثم نظر إليّ بدهشة وحيرة .

" أود مساعدتك في تحضير الوجبات على الأقل."

" … أنا حقاً بخير."

[ انخفضت نسبة ثقة 'إيان وايت' بك بمقدار 4%.]

عند هذه النقطة، بدأتُ أتعجب من وجود "ثقة" متبقية لتنخفض أصلاً .

كاد الفضول يقتلني لمعرفة مستوى ثقته الحالي بي. من المؤكد أن رقماً كارثياً ينتظرني، لكنني شعرتُ أن معرفته ومراقبته وهو ينخفض أفضل من هذا الجهل .

" …… "

هل من طريقة … للحصول على ملف تعريف إيان ؟

في ظل هذا الوضع، كان من المستحيل تماماً مشاركة الملفات معه عبر "حدث تعاوني".

هذا يعني أنني أمام خيارين : إما أن أقترح عليه تبادل الملفات أولاً، أو أن أسرق ملفه خلسة. وشعرتُ أن الخيار الثاني يملك فرص نجاح أكبر من الأول.

فإيان لن يوافق ببساطة على تبادل الملفات معي. وبينما كنتُ أحدق فيه بإصرار، بدا أن نظراتي أصبحت عبئاً عليه، فأمال رأسه بعيداً عني قليلاً، ثم أغلق صنبور المياه وتحدث بهدوء: " قلتُ لكِ إنني أشعر بالراحة حين أفعل ذلك بنفسي، ليس لأنني أتجنب الآنسة لوبيز بشكل خاص، أبداً."

" …… "

" إعداد الطعام للآخرين وإنهاء العمل هو متعتي الوحيدة هنا، لذا لا تشغلي بالكِ، أشعر أنني لن أستطيع التكيف مع حياة القصر هذه إن لم أفعل ذلك."

ترددتُ لبرهة وأنا أستمع لحديثه .

" … أتفهم تماماً ما تقوله، ولكن، ما زلتُ أشعر بالضيق لأنك الشخص الوحيد الذي يعمل في هذا القصر الذي نعيش فيه جميعاً."

" …… "

" علاوة على ذلك، في موقف كهذا، أشعر بعدم الارتياح وكأنني ألقيتُ بمهامي على عاتقك."

غرق إيان في التفكير بعد كلماتي .

وبعد أن ارتسمت ملامح معقدة على وجهه للحظة، سألني بحذر: " … هل تشعرين بعبء بسببي ؟ "

****************************

الفصل : ٦١

اليوم الحادي عشر - 27/10 (4)

… ما الذي يعنيه بكلامه هذا أيضًا ؟

كدتُ أن أقطب وجهي علانية أمام سؤاله. لم يكن هناك أي شعور بالعبء تجاهه، كل ما في الأمر أنني كنتُ أشعر بالقلق لعجزي عن فهم نواياه الحقيقية .

قلبتُ عينيّ حيرةً وأنا أبحث عن إجابة مناسبة، ثم نطقتُ بحذر: " لا، ليس الأمر كذلك أبداً."

واجهتُ نظرات إيان الأرجوانية وتابعت: " الأمر ليس متعلقاً بكونك عبئاً، بل لأن رغبتي في التعرف عليك وفهمك أكبر من أي شيء آخر."

بدا أن كلماتي كانت غير متوقعة، إذ تصلب جسد إيان قليلاً .

" أشعر أنني تبادلتُ الكثير من الأحاديث مع الآخرين، لكنني لم أحظى بفرصة مماثلة معك بعد."

كان الوقت في القصر يمضي بلا توقف. ولا أعلم متى سيبدأ التصويت الثاني، لكنني كنتُ بحاجة لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات خلال هذا الوقت .

علاوة على ذلك، كنتُ أريد معرفة السبب الذي يجعله يتجنبني. مهما فكرتُ، لم أكن أملك أدنى فكرة عن كيفية رفع مستوى ثقته بي، سوى بتجنب الحديث معه تماماً، لكنني أدركتُ أن التجنب لن يمنحني المعلومات التي أريدها، لذا، قررتُ تغيير طريقتي تمامًا.

" …… "

ساد الصمت لبرهة دون رد من إيان. وبعد مرور لحظات، انفرجت شفتاه المنقبضتان بهدوء: " … وهذا الشعور متبادل."

اهتزت حدقتا عينيّ وأنا أراقبه. حينها فقط، زفرتُ أنفاسي التي كنتُ أحبسها ببطء .

… يبدو أن هذه كانت الإجابة الصحيحة .

تابع إيان كلامه بهدوء: " أنا أيضاً، أود أن أعرف المزيد عن الآنسة لوبيز."

لم تظهر نافذة "انخفاض الثقة" هذه المرة. وكدليل على صدق كلماته، لم يكن هناك أمامي سوى إيان وهو يرسم ابتسامة جافة على وجهه.

يجب عليّ أن أحصل على ملفه مهما كلف الثمن .

فتحتُ فمي وتحدثتُ بنبرة مشوبة بالعجلة، خشية أن يتراجع إيان عن قوله: " حسناً إذن."

" …… "

" لنكتشف المزيد عن بعضنا البعض ببطء."

هذا يكفي. ففي نهاية المطاف، لا أنا ولا إيان نعرف شيئاً عن حقيقة بعضنا البعض .

وضع إيان ابتسامة بدت وكأنها تعبر عن سعادته بكلماتي، وأومأ برأسه ببطء. واجهتُه بنظراتي بينما تنفستُ الصعداء في سري؛ شعرتُ وكأنني قد أنجزتُ مهمةً شاقةً وعظيمة .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" ومع ذلك، أرجو أن تسمحي لي بتولي أمور المطبخ، فهذا يجعلني أشعر براحة أكبر."

بناءً على كلمات إيان تلك، عدتُ إلى غرفتي أخيراً وأنا أشعر بالاطمئنان. دخلتُ الغرفة المظلمة وجلستُ على حافة السرير، وفي تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعي صوت ارتطام شيء ما بالنافذة من الخارج .

بدأت قطرات المطر تتساقط واحدة تلو الأخرى من السماء التي كانت ملبدة بالغيوم منذ الصباح .

راقبتُ قطرات المطر وهي تطرق زجاج النافذة بذهول. راودتني فكرة مفاجئة بالخروج والتعرض لتلك القطرات لتغسل جسدي، شعرتُ أن تبللي بالكامل سيكون منعشاً للغاية.

وبينما كنتُ مستغرقة في تلك الأفكار العبثية …

[ انخفضت نسبة ثقة 'إيان وايت' بك بمقدار 10%.]

ضيقتُ عينيّ وأنا أنظر إلى نافذة الثقة التي ظهرت أمامي، ظناً مني أنني قد أسأتُ الرؤية .

" …… "

ظللتُ أحدق في النافذة وهي تتلاشى ببطء وقد لجمت الصدمة لساني. وبمجرد أن فهمتُ الموقف، أفلتت مني ضحكة ساخرة مريرة .

هل ما يحدث الآن حقيقي ؟

عضضتُ على شفتي السفلى بقوة .

… أي نوع من الأشخاص هو هذا الرجل ؟

بدأت مشاعري التي حاولتُ كبتها تضطرب كالأمواج الهائجة .

ربما كان من الأفضل لو لم أعرف شيئاً عن مستوى ثقته بي، لأن مواجهة شخص يتصرف بنقيض ما يضمره تماماً، بينما تنخفض ثقته بي لحظة بلحظة، هو أمر يثير حنقي الشديد .

… هل يعقل أن يدّعي شخص كهذا أنه لا يتجنبني ؟

كل كلمة نطق بها كانت محض أكاذيب.

مررتُ يدي فوق وجهي محاولةً الهدوء … لن يتملكني القلق. الأولوية الآن هي جمع المعلومات مهما كلف الأمر، بعيداً عن التعلق بأرقام الثقة تلك .

فتحتُ "قائمة المقتنيات" لأرتب الأدلة التي جمعتُها حتى الآن، ثم أخرجتُ الورقة التي كانت حنا تمسك بها في الطابق الثالث .

[ < سجل —— >
21 أكتوبر، عام 1105
نوفمبر، عام 1105 —— ]

21 أكتوبر … مهما أمعنتُ النظر، فهذا التاريخ هو ذاته يوم دخولي لمستشفى "برياتون".

من الواضح تماماً أن هذا هو سجل دخولي للمستشفى.

ضيقتُ عينيّ وأنا أتفحص "قائمة المقتنيات"، ثم استقر نظري على الرسالة التي أحضرها "بيبي" من قاعة الألعاب .

[ ديريك، من فضلك فلتأتي إلى شارع واين، رقم 291-5، قبل الساعة الواحدة فجرًا.
سأنتظرك في المكان الذي التقينا فيه.
– فيفيان ]

بما أنني استيقظتُ في جسد فيفيان بينما كانت هي في غيبوبة بالمستشفى، فلا بد أن تاريخ وفاة ديريك كان قبل 21 أكتوبر .

غرقتُ في أفكاري وأنا أمد يدي نحو الرسالة، وفي تلك اللحظة، ظهرت معلومات الرسالة في قائمة المقتنيات :

[ تاريخ الكتابة: 22 أكتوبر عام 1105، الساعة 01:39 صباحاً ]

… تاريخ الكتابة ؟ لا، انتظر لحظة … كيف يكون تاريخ الكتابة هو … ؟

إذا كان التاريخ هو الثاني والعشرون، فهذا يعني أن فيفيان كانت غائبة عن الوعي في ذلك الوقت، وكلمات هانا كانت دليلاً على ذلك .

تملكني الارتباك، فمددتُ يدي نحو الطاولة وأحضرتُ ورقة وقلم، وبدأتُ بتدوين ما يدور في رأسي :

— 21/10 : شخص ما نقل فيفيان الغائبة عن الوعي إلى مستشفى برياتون.

— 22/10 : فيفيان ارسلت رسالة إلى ديريك … ؟

— 23/10 : ؟؟؟؟

— 24/10 : استيقظتُ ( أنا كفيفيان ).

…… التسلسل الزمني غير منطقي .

إذا كانت فيفيان قد كتبت الرسالة إلى ديريك يوم ٢٢، فهذا يعني أن ديريك كان لا يزال حياً حتى ذلك الحين .

وهذا يعني أيضًا أن ديريك قُتل بينما كانت فيفيان محتجزة في مستشفى برياتون، ولكن كيف … ؟

عندما استيقظتُ يوم ٢٤، أخبرني الطبيب أنني استعدتُ وعيي بعد أربعة أيام .

فهل يعني هذا أن هناك لحظة استيقظت فيها فيفيان دون علم الطبيب … ؟ وأنها بمجرد استيقاظها، استدرجت ديريك وقتلته ؟

…… هل هذا ممكن أصلاً ؟

لا بد أن هيلين كانت بجانب فيفيان طوال الوقت، فكيف تمكنت من قتل ديريك بعيداً عن عينيها ثم عادت إلى المستشفى مجدداً … ؟

… ثم تظاهرت بفقدان الوعي مرة أخرى ؟ هذا أمرٌ مستحيلٌ في نظري .

حتى لو كانت فيفيان ممثلة بارعة، فمن المستحيل أن تخدع أعين الأطباء والممرضات.

وفي تلك اللحظة، لمعت السماء ودوى صوت الرعد بعنف .

— بووم !

نظرتُ نحو النافذة بذعر، كانت زخات المطر الخفيفة قد تحولت إلى سيول هادرة في غفلة مني .

كان صوت المطر وهو يضرب النافذة عنيفاً لدرجة شعرتُ معها أنها ستتحطم .

" غداً في التاسعة مساءً، تعالي إلى هنا، وسأخبركِ حينها عما يجب عليكِ البحث عنه."

… الساعة التاسعة مساءً .

تذكرتُ فجأة الموعد الذي قطعتُه مع فيل بالأمس .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كنتُ أخشى وجود شخص ما في الطابق الثاني، لكن لحسن الحظ، لم يكن هناك أي أثر لحركة بشرية .

توجهتُ مباشرة نحو غرفة الطعام، وعيني تترقب المكان خشية أن يمسك بي أحد .

" تأخرتِ ثلاث دقائق ! "

بمجرد دخولي، اخترق صوت فيل الحاد مسامعي .

" آسفة، أنا آسفة."

ألقيتُ إليه باعتذار عابر واقتربتُ منه. حينها، وبحماسة وكأنه كان ينتظرني، بدأ "بيبي" بالقفز والترحيب بي .

رسمتُ ابتسامة صغيرة ولوحتُ بيدي لبيبي. وفجأة، اقترب مني كرسي خشبي قديم وهو يجر نفسه على الأرض وكأن قوة خفية تسحبه.

نظرتُ بذعر إلى فيل، لكنه اكتفى بالنظر إليّ وكأن شيئاً لم يكن وقال: " اجلسي."

يبدو أن هذا كان من فعل فيل. جلستُ فوق الكرسي وأنا عاجزة عن إخفاء ملامح ريبتي .

استمر فيل في الابتسام بخبث وهو يراقبني، فساورني شعور مشؤوم جعلني أسأله بحذر: " … إذن، ما هو الشيء الذي يجب عليّ البحث عنه ؟ "

" أنتِ تعرفين تماثيل العرض (المانيكان) عديمة الرؤوس الموجودة في غرفة الأشغال اليدوية، أليس كذلك ؟ "

أومأتُ برأسي بحذر .

" ابحثي لي عن رؤوسهم."

" … ماذا ؟ "

" لقد سمعتِني جيداً، لِمَ تعيدين السؤال ؟ "

لجمت الصدمة لساني لبرهة. بدأ فيل يثرثر قائلاً إن هذا الثمن عادل ومناسب للغاية .

كانت هناك مشاكل لا تُعد ولا تُحصى في هذا الموقف، حاولتُ ترتيب الأسئلة التي تملأ رأسي واستخرجتُ واحداً منها: " لا، مهلاً … هل كانت تلك التماثيل تملك رؤوساً في الأصل ؟ "

" أجل، لكن في أحد الأيام استيقظتُ و وجدتُ أن رؤوسهم قد اختفت فجأة."

" …… "

" وسواء أحضرتِهم بالقوة، أو أقنعتِهم بالعودة، افعلي ما بوسعكِ لإعادتهم."

ضيقتُ عينيّ وأنا أشك في أذنيّ مما سمعت.

" هل … يمكنهم الكلام أيضاً ؟ "

" بالطبع ! هل تقللين من شأنهم لمجرد أنهم تماثيل؟"

لا، في الحقيقة، مَن قد يتخيل أن تماثيل العرض يمكنها الكلام ؟

… شعرتُ ببوادر الغضب، لكنني كظمتُ غيظي بصعوبة .

" وكم عدد هذه الرؤوس ؟ "

" خمسة ؟ ستة ؟ "

أذهلني قوله؛ يبدو أن فيل خشي أن أرفض، فسارع بإضافة الكلمات: " إنهم طيبون للغاية، لا تقلقي."

ليست هذه هي المشكلة الآن !

حينها، قفز بيبي الذي كان يراقب وجهي واستقر فوق ركبتي، وظل يحدق بي بتمعن .

قال فيل بنبرة فخر لـبيبي : " بيبي سيساعدكِ."

" حقًا ؟ "

بمجرد انتهائي من الكلام، رمش بيبي بعينيه .

[ لقد وصلت 'مهمة مخفية' ! ]

[ مهمة مخفية #2 ابحث عن أصدقائي ! ]

[ هناك شخص ما يبكي بمرارة كل ليلة لفقدانه أعز أصدقائه .
من أجل تخفيف حزنه، لا يوجد سوى طريق واحد : العثور على أصدقائه المفقودين.
ابحث عن أصدقائه وساعد في نشر ضحكاتهم داخل القصر مجدداً !
المكافأة : تم الاستلام مسبقًا.
الوقت المحدد : X ]

… إذن، اعتبروا المكافأة قد سُلمت لي مسبقاً.

كان من المؤسف قليلاً عدم وجود مكافأة إضافية، لكن عدم وجود وقت محدد للمهمة كان أمراً جيداً بحد ذاته .

تنهدتُ في سري : " حسناً، فهمت."

" هذا هو ما أردت سماعه ! "  هتف فيل وهو يدندن بنغمة مرحة .

حدقتُ به بتمعن ثم سألتُه بحذر: " لكن، لقد قلتَ إنك مدير القصر، أليس كذلك ؟ "

" بالطبع."

" إذن، هل أنت هو ألبرتو ؟ "

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان