كان الطقس كئيبًا.
توارى ضوء الشمس الذي كان يغمر المكان بدفئه كل صباح، ولم يعد هناك سوى سماء حالكة تبسط ظلامها على العالم .
ألقيتُ نظرة خاطفة نحو الخارج، كانت النافذة المحجوبة بقضبان حديدية تذكرني بالسجن. انكمشتُ على نفسي في زاوية السرير. ورغم أنني أغمضتُ عينيّ بقوة، لم يتغير شيء؛ ظل العالم غارقاً في عتمته .
صوت هيلين، الذي كان يتردد في أعماق اللاوعي ويجذبني إليه، غمر عقلي .
< أختي، إذا تزوجتِ يوماً ما، ما رأيكِ في إقامة حفل الزفاف في حديقة من الورود ؟ >
< ولماذا ؟ >
< ممم، لأنني أريد أن أهديكِ قدراً من الورود يملأ تلك الحديقة ؟ >
< …… >
< لا، تراجعتُ، يجب أن تقيمي حفل زفافكِ في كاتدرائية مهيبة. >
< … ولماذا الكاتدرائية الآن ؟ >
< لأنه إذا أقمتِ الزفاف في أقرب مكان إلى الحاكم، فسيكون من الجيد أن أدعو لكِ بالسعادة هناك. >
شعرتُ بثقلٍ في رأسي، وكأنني أُبتلع ببطء في مستنقع موحل.
كان المستقبل غير مؤكد، ورغم ذلك، كانت هيلين تحلم بمستقبل تفصيلي. كنا فتاتين عاديتين، لذا كان من الطبيعي أن نحلم بالمستقبل. وفي قلب ذلك المستقبل الذي تكمن جاذبيته في عدم يقينه، كنا نتبادل الآمال فقط ونغلفها لنهديها لبعضنا البعض .
فتحتُ عينيّ قسراً، كانت الغرفة لا تزال غارقة في الظلام والبرودة الرطبة.
لم يعد المستقبل يملك أي جاذبية. لم يعد هناك سوى واقع قاتم يمتد بلا نهاية أمام ناظريّ .
وبدأتُ أدرك بشكل ضبابي أن هذا الواقع سيستمر إلى الأبد .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
" يبدو أن المطر سيهطل."
" هذا ما يبدو عليه الأمر."
كان لوكاس ولوجان قد استيقظا باكراً وتواجدا في غرفة المعيشة. وما إن سمع لوكاس صوت حركتي حتى اتجهت نظراته نحوي مباشرة .
" آنسة فيفيان."
بدا أن لوكاس لم ينم جيداً ليلة أمس، إذ كانت الهالات السوداء تكسو ما تحت عينيه. ورغم أنه حاول الابتسام لي، إلا أنه عجز تماماً عن إخفاء علامات الإرهاق الشديد.
بادلته الابتسام وقلتُ: " صباح الخير."
" صباح الخير."
التفت لوجان نحوي عند سماع صوتي، وعندما ألقيتُ عليه تحية الصباح، اكتفى بإيماءة من رأسه للتحية.
" هل تناولتَ الفطور ؟ "
" مع الصغير."
أجاب لوجان بذلك ثم ارتشف رشفة من قهوته. كان البخار يتصاعد من فنجانه، مما يوحي بأنه قد أعد القهوة للتو .
يبدو أن كيڤن عاد إلى غرفته فور انتهائه من الإفطار، إذ لم يكن له أثر في أي مكان.
" …… "
عضضتُ على شفتي السفلى لبرهة، ثم سألتُ لوكاس: " وأنت ؟ "
" آه، أنا لا أشعر بالرغبة في تناول الإفطار."
أجاب لوكاس بابتسامة محرجة .
" لكن عليكِ أن تتناولي إفطاركِ يا آنسة فيفيان، سيتضرر جسدكِ إن لم تفعلي."
" هذا ينطبق عليكَ أيضاً … "
خرجت الكلمات مني دون وعي، ثم تعثرت في نهاية جملتي. ومع ذلك، بدا أن لوكاس فهم ما أرمي إليه، فاكتفى بابتسامة باهتة .
" إذن، لنذهب معاً، لنعتبر الأمر مراقبة متبادلة."
" … حسناً."
وهكذا دخلتُ مع لوكاس إلى غرفة الطعام، وبدأنا في إعداد الإفطار بصمت مطبق.
كان إفطاراً بسيطاً للغاية .
كان الفطور عبارة عن قطعة خبز سُخّنت على عجل وقليل من مربى الفراولة، هذا كل شيء.
كان مذاق الخبز جافاً وباهتاً. رغم أنني ظننتُ أنني سخنته جيداً، إلا أن الخبز الذي أخرجناه من الثلاجة كان لا يزال يحتفظ ببرودته. لقد كان خبزاً يخلو من أي دفء، يابساً إلى أبعد حد.
ارتشفتُ جرعة من القهوة، كانت مرّة، لكنني شربتها بدافع الواجب ليس إلا. كان لوكاس أيضاً يمضغ قطعته القاسية من الخبز. تمنيتُ لو كانت الحصة التي أخذها دافئة، لكن بالنظر إلى تعابير وجهه، يبدو أن حاله لم يكن يختلف عن حالي أبداً.
توقف لوكاس فجأة وهو يحدق في الفراغ ويده تهمُّ برفع الخبز إلى فمه. وضع القطعة التي كان يمسكها فوق الطبق، ثم فتح فمه ليتحدث بحذر : " … لا داعي للقلق كثيراً بشأن آرييل."
تسمرتُ في مكاني عند سماع كلماته. بادلني لوكاس النظرات وحاول أن يبتسم لي بصعوبة وتابع: " ما حدث بالأمس … لا أعرف تفاصيله الدقيقة، لكن آرييل إنسانة قوية."
اكتفيتُ بإيماءة صامتة من رأسي. بدا وكأن لوكاس يغالب كلماتٍ تتراقص على شفتيه، قبل أن يلفظ أخيراً جملة واحدة وبمشقة: " وأيضاً، يمكنكِ أن تثقي بآرييل على الأقل."
رسم لوكاس ابتسامة باهتة، فعضضتُ باطن خدي عند سماع قوله.
" … أنا أثق بها."
" هذا يطمئنني."
عند ردي هذا، استعاد لوكاس قطعة الخبز التي وضعها جانباً. ظللتُ أراقبه بتمعن قبل أن أسأله بحذر: " الخبز … أليس بارداً ؟ "
ضحك لوكاس بخجل وأجاب: " في الحقيقة، هو بارد قليلاً."
" خبزي كذلك أيضاً."
نظر إليّ لوكاس بدهشة وسأل: " ولماذا تأكلينه إذن وهو على هذه الحال ؟ "
أطلقتُ ضحكة خافتة وساخرة رداً على سؤاله: " وأنت … ألا تفعل الشيء ذاته ؟ "
جفل لوكاس لبرهة، لكن سرعان ما أفلتت منه ضحكة محرجة، ثم اقترح عليّ بنبرة هادئة: " … هل نعيد تسخينه ؟ "
" حسنًا."
نهضتُ أنا ولوكاس من مقاعدنا مرة أخرى .
لم نكن قد أكلنا حتى نصف قطعة الخبز، وشعرتُ أن هذا كان أفضل حالاً.
وضعتُ الخبز الذي أصبح صلباً كالحجر في المحمصة، وسألتُ لوكاس: " ولكن … هل من الجيد ترك آرييل بمفردها ؟ "
" لا أعلم، في الحقيقة أنا نفسي لستُ متأكداً."
تنهد لوكاس تنهيدة خفيفة وتابع: " آرييل الآن ستكره فكرة الخروج من غرفتها، في السابق، كانت تعتاد حبس نفسها كلما مرت بأوقات عصيبة."
وبينما كان يسترسل في حديثه، قلّب لوكاس عينيه بحيرة ثم نظر إليّ فجأة .
" …… ؟ "
عندما واجهتُه بنظرة تملؤها التساؤل، سألني بحذر: " بخصوص الأمس … هل خرجت آرييل من غرفتها … بمحض إرادتها ؟ "
" لا أعرف التفاصيل الدقيقة، ولكن بدا لي أن السيد ماكس هو من أخرجها."
" … العم ماكس ؟ "
أعاد لوكاس السؤال مقطباً حاجبيه، فأومأتُ برأسي تأكيداً. لم تدم ملامح القلق على وجه لوكاس طويلاً، إذ انبعثت رائحة احتراق من المحمصة .
" أوه … ! "
بدأ لوكاس يرتبك ويتحرك في مكانه. سارعتُ بتدوير مؤقت المحمصة، وما إن فعلتُ حتى قفز الخبز إلى الأعلى، كان لونه قد تحول إلى اللون الأسود .
تمتم لوكاس بصوت يملؤه الإحباط وهو ينظر إلى الخبز: " لقد احترق … "
" لا بأس، يمكننا إخراج قطع جديدة."
أخرجتُ الخبز من الثلاجة واستغرقتُ في التفكير .
… لقد قال ماكس إنه كان يعرف آرييل. وبالنظر إلى شكوك لوكاس تجاه ماكس، يبدو أنه هو الآخر لا يعلم بحقيقة معرفة ماكس بآرييل.
… ماكس مونسون .
لو كنتُ أعلم أن هذا سيحدث، لكان عليّ أن أتبادل معه الملفات.
تنهدتُ بعمق لإحساسي بالضيق .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
" هل تنوين الذهاب إلى الطابق الثالث ؟ "
سألني لوكاس وهو يراقبني وأنا أصعد الدرج بعد انتهائنا من الإفطار .
" أجل، فكرتُ في البحث عما إذا كان هناك شيء ما هناك … "
" لقد قال الأخ لوجان إن الطابق الثالث غارق في ضباب كثيف لدرجة تمنع رؤية ما أمامك."
رغم قوله ذلك، كان لوكاس يتبعني صاعداً الدرج .
وعندما حدقتُ به بتمعن، ابتسم وقال: " ومع ذلك، من الأفضل أن نلقي نظرة بأنفسنا."
ابتسمتُ بسخرية داخل نفسي لرؤيته يحاول تغيير الموضوع ببراعة، وتوجهنا معاً نحو الطابق الثالث، لكن مشهد الطابق الثالث كان لا يزال غارقاً في ذلك الضباب المجهول .
" لا يبدو لي أن هذا دخان … "
تمتم لوكاس وهو يلوح بيده في الهواء. كان ذلك الضباب المجهول الذي يتغلغل في أعماق الرئتين يبعث على شعور شديد بالاختناق. سعل لوكاس وهو يحاول الدخول، لكنه سرعان ما تراجع عائداً نحو الدرج .
" لا يمكنني الدخول."
" التنفس صعب هناك، أليس كذلك ؟ "
قطب لوكاس وجهه وأومأ برأسه موافقاً على كلامي، ثم سأل: " هل سيتبدد هذا الضباب يوماً ما ؟ "
وجهتُ نظري نحو الطابق الثالث عند سؤاله. لسبب ما، بدا لي الضباب اليوم أكثر كثافة من الأمس، فبالأمس كان بإمكاني رؤية الداخل ولو بشكل ضبابي، أما اليوم فقد بدا الطابق الثالث ناصع البياض تماماً . لم يكن هناك شيء يمكن رؤيته على الإطلاق.
وفقاً لما قاله "فيل"، لم يكن من المفترض أن يُفتح الطابق بالأمس … ربما يكون اليوم الذي يتبدد فيه الضباب هو الموعد الأصلي الذي كان يجب أن يُفتح فيه الطابق الثالث .
بل ربما كان من الأفضل أن يظل الضباب عائقاً يمنع الجميع من الدخول حتى ذلك الحين. سيكون من الأفضل لي أيضاً أن يستمر هذا الوضع حتى يظهر موقع الدليل الدقيق على الخريطة .
" سكان الطابق الثالث مذهلون حقاً لقدرتهم على العيش في مكان كهذا لعدة أيام."
وافقتُ لوكاس في تمتمته تلك، فلو بقوا هناك لفترة أطول، لربما انتهى بهم الأمر إلى الموت فعلياً .
" من الأفضل أن ننتظر حتى يتبدد الضباب قبل أن نحاول الدخول."
أغلقنا أنا ولوكاس باب الطابق الثالث مرة أخرى. نظر لوكاس إلى الباب الموصَد بإحكام وسألني بهدوء: " يبدو أنه لم يعد هناك شيء للتحقيق فيه في الطابق الثاني، أليس كذلك ؟ لا توجد أبواب جديدة فُتحت."
" حسب علمي، نعم."
على أي حال، شعرتُ أنه من الأفضل أن أتحدث عن موضوع سوار آرييل أيضًا … ترددتُ لبرهة في إخبار لوكاس بأن حالة آرييل أصبحت غريبة فور رؤيتها للسوار، لكن ترددي لم يدم طويلاً، فقد يكون لوجان قد أخبره بالفعل، وسيكون من الغريب أن ألتزم أنا الصمت حيال أمر كهذا .
****************************
الفصل : ٥٩
اليوم الحادي عشر - 27/10 (2)
بدأتُ حديثي بحذر قائلة: " بالمناسبة، قمتُ بالأمس بفتح درج مغلق في غرفة الطعام رفقة لوجان وآرييل."
" درج ؟ "
أعاد لوكاس السؤال وكأنه يسمع بالأمر للمرة الأولى، يبدو أن لوجان لم يخبره بعد .
" وماذا وجدتم داخل ذلك الدرج ؟ "
" كان هناك سوار."
أضفتُ بنبرة هادئة: " لكن بمجرد رؤية السوار الموجود في الدرج، ساءت تعابير وجه آرييل تماماً، أظن أن اختفاءها طوال نهار أمس كان بسبب ذلك."
بدت الحيرة واضحة على وجه لوكاس عند سماع كلماتي، وكأنه هو الآخر لا يعلم شيئاً عن هذا السوار .
قطب لوكاس حاجبيه لبرهة، ثم سألني بحذر: " هل تتذكرين كيف كان شكل ذلك السوار ؟ "
" ممم، كان سواراً تتدلى منه خرزات فضية صغيرة، وبدا قديماً جداً."
" …… "
" … هل تعرف شيئاً عن هذا السوار ؟ "
ازداد عبوس لوكاس، لكنه لم يستطع تقديم إجابة سهلة .
وبعد لحظة، فتح فمه بصعوبة قائلاً: " هذا … أنا أيضاً لا أعرف عنه شيئاً."
أخذ يضم قبضتيه ويفتحهما مراراً وتكراراً وكأنه يشعر بالضيق. لم تكن تعابير وجه لوكاس توحي بأن همومه ستنجلي قريباً، لذا قررتُ تغيير الموضوع محاولةً تلطيف الأجواء قليلاً .
" منذ متى وأنت صديق لآرييل ؟ "
لحسن الحظ، أرخى لوكاس ملامحه المتصلبة وأجاب بهدوء: " نحن نعرف بعضنا منذ سن السابعة، لكننا أصبحنا مقربين في سن الخامسة عشرة، بعد التحاقي بالمدرسة."
تبين أن صداقتهما المقربة لم تبدأ منذ زمن بعيد كما كنتُ أظن .
" كنا في فريق البيسبول ذاته، في ذلك الوقت، كانت آرييل مديرة الفريق، بينما كنتُ أنا مجرد عضو عادي."
" أنت ؟ هل كنتَ تمارس الرياضة ؟ "
تملكتني الدهشة عند سماع قوله، فبنية لوكاس الجسدية لا توحي أبداً بأنه كان رياضياً يوماً ما.
قال لوكاس بنبرة تملؤها الثقة: " رغم مظهري هذا، إلا أنني مارستُ أنواعاً عديدة من الرياضات، مع أنني فشلتُ في مقابلة الانضمام لفريق كرة السلة."
قلب لوكاس عينيه للحظة وهو يتابع حديثه، ثم أضاف فجأة، وقد بدا عليه الارتباك: " وسبب رسوبي في المقابلة لم يكن بسبب طولي أبدًا … أبدًا ! "
شدد لوكاس على كلماته مراراً، فاكتفيتُ بإيماءة مترددة من رأسي. لم يخطر بذهني قط أن طول قامة لوكاس كان سبب استبعاده من فريق كرة السلة، ولكن بما أنه ركز على نقطة الطول، فقد اتجهت نظراتي نحو قامته دون وعي مني.
في الواقع، لم يكن لوكاس قصيراً، بل كان يميل لكونه طويلاً .
لكنه يبدو أنه فسر نظراتي تلك بطريقة خاطئة، إذ صرخ بنبرة مذعورة: " أوه ؟ آنسة فيفيان، لقد سخرتِ مني في سركِ الآن، أليس كذلك ؟ أنتِ تفكرين قائلة: 'لقد رسب بسبب طوله إذن' … هذا ما تفكرين به، صحيح ؟ "
" ليس الأمر كذلك أبداً."
" …… "
" أبداً."
كررتُ الكلمة مشددةً عليها تماماً كما فعل، لكن لوكاس لم يبدُ مقتنعاً بصدق كلامي .
شعرتُ بعبثية الموقف فأطلقتُ ضحكة خافتة، فما كان من لوكاس إلا أن رسم ابتسامة على وجهه هو الآخر .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
كانت الساعة الثانية عشرة ظهرًا، لكن الطقس لم يُبدِ أي بوادر تحسّن. كان الجو كئيبًا، وكأن المطر على وشك الهطول في أي لحظة .
كانت الغيوم التي تتحرك بسرعة مع الرياح تبعث في النفس شعوراً بالتهديد.
وعلى عكس ما كنتُ أشعر به، اكتفى ماكس بإطلاق تنهيدة حسرة وهو يراقب السماء المظلمة قائلاً : " في يوم كهذا، يفترض بنا مشاهدة فيلم رعب."
" ولماذا تشاهد فيلماً ؟ واقعنا الحالي هو فيلم رعب بالفعل."
عندما سخر لوجان من كلمات ماكس، وكزه الأخير بمرفقه في جنبه قائلاً: " الأمر مختلف يا رجل، صراحةً، هل مر علينا يوم هنا مرعب لدرجة تسميته بفيلم رعب ؟ "
… بل أيامٌ كثيرة .
ابتلعتُ كلماتي بصعوبة.
نظر لوجان إلى ماكس بنظرات باردة تخلو من أي مشاعر، وكأنه قرر أن الحوار معه مضيعة للوقت، ثم غادر المكان .
راقب ماكس ظهر لوجان وهو يبتعد لبرهة، قبل أن يلتفت نحوي. شعرتُ بالارتباك تحت وطأة نظراته التي كانت تخترقني، فاكتفيتُ بابتسامة خجلة.
بدا أن مظهري هذا أثار سخرية ماكس، إذ رفع طرف فمه بابتسامة تهكمية، ثم نطق بلا مبالاة: " على أي حال، لم أتخيل قط أن الآنسة آرييل قد تكون قاتلة."
تجمدتُ في مكاني عند سماع كلماته .
" ربما تكون الآنسة آرييل هي المجرمة حقاً."
كان صوته هادئاً للغاية، لدرجة أن نبرته لن تبدو غريبة لو استبدل جملته بخبر عن شعوره بالجوع .
لم أتمكن من منع نفسي من الاعتراض على كلامه: " … لا أظن أن آرييل من النوع الذي قد يقتل أحداً."
نظر إليّ ماكس وكأن ردي كان غير متوقع بالنسبة له: " هل نشأت بينكما ألفة بهذه السرعة ؟ لا يمكنكِ الحكم على الناس من مظهرهم الخارجي."
" هذا صحيح، ولكن … "
" قضية جامعة مونتينا، لابد أنكِ تعرفينها، إلا إذا كنتِ تعيشين في عزلة تامة عن المجتمع."
رمشتُ بعينيّ ببطء عند ذكره للقضية، وبعد صمت قصير، نطقتُ بكلمات خرجت مني بصعوبة: " … لقد ذكرت الصحف أن القضية أُغلقت على أنها انتحار."
هايلر، شقيقة ريموند الصغرى .
لقد كانت شخصية مشهورة تظهر مراراً في وسائل الإعلام منذ زمن بعيد. التحقت هايلر بجامعة مونتينا، أرقى مؤسسة تعليمية في المملكة، في سن مبكرة؛ وكانت تُلقب بالعبقرية .
… إلى أن عُثر عليها جثة هامدة في غرفتها بسكن الطالبات .
والشخص الذي وُجهت إليه أصابع الاتهام حينها، لم تكن سوى الطالبة التي كانت تشاركها الغرفة ذاتها.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة .
تمتم ماكس بصوت منخفض بعد سماع ردي: " صحيح، لقد أُغلقت القضية بالفعل."
… هل كان السبب وراء معرفة ماكس بآرييل هو تلك القضية ؟
لكن لم يكن هناك الكثير ليعرف عن المشتبه بها. فرغم الضجة الكبيرة التي أثارتها قضية جامعة مونتينا في مدينة تيفيرن، إلا أن الصحف لم تكشف عن الهوية الشخصية لآرييل، كل ما عُرف حينها هو أن الطالبة التي كانت تشاركها الغرفة هي المتهمة الوحيدة.
رمقني ماكس بنظرة خاطفة، ثم ربت على كتفي بخفة وكأن الأمر لا يستدعي القلق، وغادر المكان هو الآخر.
تنهدتُ في سري وارتميتُ فوق أريكة غرفة المعيشة، لسبب ما، لا يزال يراودني شعور بأنني محاصرة داخل حلم لا ينتهي.
وبينما كنتُ أراقب ما وراء النافذة مستغرقة في أفكاري، تناهى إلى مسامعي صوت حركة من بعيد. التفتُّ نحو مصدر الصوت دون وعي مني.
" …… "
كانت هانا تخرج من الرواق الغربي، يبدو أنها استعادت وعيها أخيراً. خرجت إلى الرواق بملامح يملؤها الحذر، ثم استقرت نظراتها عليّ. ما إن التقت عيناي بعينيها حتى نهضتُ من مقعدي واقتربتُ منها، فتوقفت هانا عن السير فجأة.
كانت هانا طويلة بشكل مذهل وهي تقف أمامي.
حاولتُ الابتسام لها وقلتُ : " هل تشعرين أنكِ بخير الآن ؟ "
لم تجب هانا على سؤالي، بل اكتفت بمراقبتي بصمت ونظراتها تحمل بروداً غريباً .
" آه، لقد تأخرتُ في تقديم نفسي، اسمي فيفيان لوبيز."
لكن هانا استمرت بالتحديق بجمود .
… هل تعجز عن الكلام ؟
وما إن ساورني هذا الشك، حتى انفرجت شفتا هانا المنقبضتان وقالت: " اسمي هانا ووكر."
بدا وجه هانا، التي كانت غارقة في نوم عميق بالأمس، هادئاً ومستقراً لحسن الحظ.
سألتني بنبرة خالية من المشاعر: " أود الاستفسار عن تفاصيل الوضع الحالي، هل لديكِ بعض الوقت ؟ "
أومأتُ برأسي على الفور وكأنني كنتُ أنتظر هذا الطلب، فقد كان الأمر في مصلحتي أيضاً .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
توجهتُ مع هانا مباشرة إلى غرفة الطعام.
وضعتُ أمامها طبقاً من الحساء، ورغم أنني لم أرغب في إزعاجها أثناء الأكل، إلا أن هانا هي من أرادت سماع القصة وهي تتناول وجبتها.
أخبرتُ هانا بإيجاز عما حدث في الطابق الأول، من موت جاك وصولاً إلى نظام التصويت.
استمعت إليّ بإنصات شديد، وبعد أن انتهيتُ، كان ردها بسيطاً: " إذن، موعد التصويت الثاني لا يزال مجهولاً ؟ "
" بالضبط."
نظرتُ إليها وقلتُ بحذر محاولةً فتح موضوع آخر: " لقد سمعتُ من الآنسة صوفيا أنكم عقدتم رهاناً مع ألبرتو في الطابق الثالث."
أومأت هانا برأسها خفة .
" … وماذا كان الثمن في ذلك الرهان ؟ "
" المساحة السكنية، وهو أمرٌ بالغ الأهمية للبشر، هذا هو الثمن الذي انتزعه ألبرتو منا."
" هل تقصدين بذلك الدخان الذي يملأ الطابق الثالث ؟ "
هزت هانا رأسها موافقة وتابعت: " قواعد الرهان كانت بسيطة، تشبه القمار التقليدي."
" …… "
" كان علينا الرهان على 'الحصان' الذي سيصل أولاً إلى خط النهاية، لم يكن الأمر يتطلب ذكاءً أو تفكيراً، بل كان مجرد رهان قمار."
بينما كنتُ أستمع لحديثها، بللتُ حلقي الجاف بجرعة من الماء. في الطابق الأول، كان الحدث الوحيد مع ألبرتو هو التصويت .
… لو كان ألبرتو قد تواصل مع سكان كل طابق، فمن المؤكد أن كلام ماكس عن لقائه بألبرتو كان يشير إلى شيء من هذا القبيل .
" عندما تصعدين إلى الطابق الثالث، ستجدين لوحة لمناظر طبيعية فور دخولكِ، من خلال تلك اللوحة كان ألبرتو يتواصل معنا."
أومأتُ برأسي وأنا أحاول فهم التفاصيل :
الطابق الأول : التلفاز .
الطابق الثالث : لوحة المناظر الطبيعية .
إذن، بأي وسيلة تواصل ألبرتو مع ماكس في الطابق الثاني ؟
في الواقع، لم أتذكر أي غرض مميز في الطابق الثاني سوى … فيل ؟
لكن بدا أن فيل لا يعرف شيئاً عن ماكس. ومع ذلك، في وضع كهذا، لن يكون غريباً حتى لو خرج ألبرتو من الجدران نفسها .
رمقتني هانا بنظرة خاطفة وهي غارقة في التفكير، ثم سألتني بهدوء: " هل جسدكِ بخير ؟ "
" … ماذا ؟ "
قلبتُ عينيّ حيرةً من سؤالها المفاجئ. وعندما لم أستطع إخفاء دهشتي، قالت بنبرة هادئة: " لقد تم إدخالك إلى مستشفى برياتون العام الماضي، أليس كذلك ؟ "
****************************