عندما حدقتُ به بتمعن دون وعي مني، سارع لوكاس بهز رأسه وكأنه يحثني على ألا أفهمه خطأً: " آه، بالطبع لستُ أعرفها معرفة شخصية على الإطلاق ! كل ما في الأمر أن وجهها يبدو مألوفاً لي بشكل غريب."
" ألا يمكن أن تكون زميلة لك في المدرسة ؟ "
ضحك لوكاس بمرارة وخجل عند سماع كلماتي: " لا أظن ذلك … فأنا لم أتمكن من الذهاب إلى المدرسة بانتظام … "
" …… "
" حتى في المرحلة الإعدادية، نادراً ما كنتُ أحضر الدروس، لذا لا أعتقد أنني التقيتُ بها في المدرسة."
كان كلامه مفاجئاً بالنسبة لي، فرغم أن لوكاس يبدو مرحاً وكثير المزاح، إلا أنه لم يترك لديّ انطباعاً بأنه من النوع الذي يتغيب عن مدرسته باستمرار .
ابتسمتُ له رداً على قوله وأجبته: " لا بأس، فأنا حتى لم ألتحق بالجامعة."
جفل لوكاس لثانية، ثم قال بحذر: " هذا … إنه أمر مؤسف حقاً بالنسبة للآنسة فيفيان."
" لماذا ؟ "
" لأنني أظن أنكِ كنتِ ستحظين بشعبية كبيرة في الجامعة، لابد أن الكثيرين كانوا سيتسابقون لطلب رفقتكِ في الحفلات … "
استرسل لوكاس في كلامه قبل أن يتوقف فجأة وكأنه أدرك تجاوزه للحدود.
بدا عليه الارتباك الشديد وهو يحاول التراجع عما قال: " أنا … أنا آسف ! لقد زلّ لساني بكلام لا داعي له … "
" لا تقلق، بل أنا من أشكرك لأنك تراني بصورة جيدة."
وضع لوكاس تعبيراً خجلاً على وجهه. وبدا وكأن هناك ما يريد قوله لي، إذ أخذ يضم قبضتيه ويفتحهما مراراً وتكراراً.
وبعد أن ظل يتردد لبرهة والكلمات تتراقص على شفتيه، استجمع شجاعته أخيراً ونطق بصوت خافت: " يبدو أنكِ تعرفين ذلك الرجل الذي نزل من الطابق الثالث … هل يمكنني أن أسألكِ عنه ؟ آه، بالطبع لا تجيبيني إن كان الأمر يسبب لكِ الإزعاج ! "
بما أن لوكاس كان صريحاً معي وأخبرني عن هانا، لم يكن بإمكاني التزام الصمت تجاه سؤاله.
" إنه مجرد شخص كنتُ أعرفه سابقاً، لم تكن بيننا علاقة مقربة."
عادةً ما أصنف الناس إلى ثلاثة أنواع :
أشخاص يمكنني بناء روابط قوية معهم .
وأشخاص لا تصل علاقتي بهم لتلك الدرجة، لكن يمكنني التعايش معهم ومعرفتهم .
… وأخيراً، أشخاص لا يمكنني التقرب منهم أبداً مهما حدث.
وكان ريموند ينتمي بلا شك إلى النوع الثالث .
فتحتُ فمي بهدوء لأجيب لوكاس الذي كان ينتظر بقية حديثي: " لقد طلب مني ذات مرة أن أكون عارضة له."
" عارضة … ؟ "
أومأتُ برأسي بحذر وتابعت: " عرض عليّ أن أكون الوجه الإعلاني لعلامة 'ميلر' التجارية التي كان سيطلقها في النصف الثاني من العام."
اتسعت عينا لوكاس عند سماع ذلك .
" … وهل وافقتِ ؟ "
سألني والدهشة تعلو وجهه. حاولتُ وضع ابتسامة هادئة وأنا أهز رأسي نفياً.
في اليوم الأول الذي قابلتُ فيه ريموند، كانت تنبعث منه رائحة "بلا لون". على نقيض ألوانه التي تظهر تبايناً صارخاً، لم تكن تفوح من ريموند أي رائحة على الإطلاق .
استغرق لوكاس في التفكير لبرهة، ثم سألني بحذر: " … إذن، لستِ على علاقة مقربة به، أليس كذلك ؟ "
" بالضبط."
عند سماع ردي، ظهرت على وجه لوكاس تعابير توحي بأنه يتردد في قول شيء ما. وبينما كنتُ أراقبه بعينين تملؤهما الحيرة، حاول لوكاس أن يبتسم لي بصعوبة. كان من الجليّ أن لديه ما يود قوله، لكن شفتيه رفضتا الانفتاح تماماً.
" …… "
رغم فضولي لمعرفة ما يخفيه، قررتُ التزام الصمت. لم أكن في موقف يسمح لي بالضغط عليه لسؤاله عن ريموند . فأنا لم أكن مقربة من لوكاس لدرجة تسمح لي بالاستجواب، كما أن ملامح الحرج التي بدت على وجهه جعلتني أتراجع .
اكتفيتُ بابتسامة باهتة لأطمئنه بأن الأمر لا بأس به. وعلاوة على ذلك، لم يسبق لي أن رأيتُ "نافذة الثقة" الخاصة بلوكاس ولو لمرة واحدة.
ورغم أن رؤية نافذة ثقة صامتة أفضل من رؤية واحدة تنخفض باستمرار، إلا أن عدم رؤيتها على الإطلاق كان يثير في نفسي نوعاً من القلق والارتباك.
سرق لوكاس نظرة نحوي، وأظلمت تعابير وجهه قليلاً، بدا وكأن تراجعه عن إكمال حديثه يثقل كاهله بالذنب . وبعد أن ظل يتلعثم عاجزاً عن النطق، وضع في النهاية ابتسامة محرجة، فبادلته الابتسام ذاته.
ولم يدم ذلك الجو المشحون بالارتباك طويلاً، إذ لمح لوكاس شيئاً ما فجأة، ونادى بصوت بدا وكأنه وجد فيه طوق نجاة : " أيها المحقق ! "
نظرت خلفي لا شعورياً عند سماع صراخه، فرأيتُ ريموند و سيزار يخرجان معاً من الرواق الغربي .
اتسعت عيناي لرؤية هذا الثنائي غير المتوقع. التفت سيزار، الذي كان يخرج من الرواق، نحو صرخة لوكاس، مما أدى إلى تلاقي أعيننا للحظة، لكنه سرعان ما أشاح بنظره عني على الفور .
" …… "
ساد جوٌّ شعرتُ معه وكأننا عدنا إلى اليوم الأول .
أخذتُ أقلب عينيّ حيرةً من رد فعل سيزار المفاجئ، متسائلةً عما دار بينه وبين ريموند من حديث .
شعرتُ بضيق في صدري وكأن شيئاً ما يثقل أنفاسي. لم يكن شعوراً جيداً على الإطلاق أن يرتجف قلبي مع كل رد فعل يصدر منه.
فسيزار من النوع الذي لا ينطق بكلمة ما لم يتأكد منه تماماً، إنه رجل لا يفتح فمه إلا عندما يقترب من الإجابة وتكتمل لديه تفاصيل الحل . وحتى لو وصل إلى الحل الآن، فلن أتمكن من معرفة أي شيء ما لم يقرر هو التحدث .
في الماضي، كان بإمكاني إلحاحه والإصرار عليه لكشف الإجابات، أما الآن، فلم يعد بإمكاني فعل ذلك.
ألقى سيزار التحية على لوكاس وتوجه مباشرة نحو الطابق الثاني. لم أستطع إزاحة نظري عن ظهره وهو يبتعد، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ أجبرني صوتٌ تغلغل في مسامعي على صرف نظري عنه قسراً .
" مرحباً، أنت هو الشاب لوكاس، أليس كذلك ؟ "
على عكس سيزار الذي غادر المكان، اقترب منا ريموند وهو يضع ابتسامة تبدو ودودة للغاية. ومدّ يده نحو لوكاس بملامح تفيض بالألفة.
جفل لوكاس لبرهة وهو ينظر إلى اليد الكبيرة الممدودة نحوه، لكنه سرعان ما رسم ابتسامته المرحة المعتادة وصافحه .
" مرحباً بك، سيد ريموند."
" أتطلع للتعامل معك جيداً من الآن فصاعداً."
أخذ ريموند يهز يد لوكاس صعوداً وهبوطاً بحماس وكأنه مبتهج بلقائه . ومع أن ملامح الانزعاج طفت على وجه لوكاس لثانية عابرة، إلا أن ريموند استمر في ابتسامه وكأنه لم يلحظ شيئاً.
مرت لحظات من الوقت الثقيل والمثير للقلق، قبل أن يفترقا ويترك كل منهما يد الآخر .
ظل لوكاس يعبث بيده التي كانت تصافح ريموند قبل قليل. وعلى النقيض منه، كان ريموند يتفحص غرفة المعيشة ببرود وتأنٍ وكأنه مرتاح تمامًا .
لقد انبعثت منه رائحة صابون رخيص، وهو الصابون ذاته الذي وُزع على جميع سكان القصر، بعد أن كان يصر دائماً على البقاء بلا رائحة تميزه.
شعرتُ بأن هذا التغيير غريب للغاية وغير مألوف، كأن ظله الذي كان فارغاً تماماً قد صُبغ فجأة بلون ما.
أحسستُ بعدم الارتياح، وكأنني أمضغ شيئاً غريباً لا أستطيع ابتلاعه. كان هذا الموقف مربكاً إلى أقصى حد. ويبدو أن لوكاس أيضاً لم يكن يشعر بالراحة في هذا الجو المشحون .
وبينما كنا نتبادل الابتسامات المحرجة، تناهى إلينا صوت إيان من بعيد، ولا أعلم إن كان ذلك لحسن حظنا أم لسوئه : " لقد انتهيت من إعداد العشاء، يمكنكم التوجه إلى غرفة الطعام الآن."
… لم أكن أتخيل يوماً أنني سأشعر بالارتياح لمجرد رؤية إيان.
ألقيتُ نظرة خاطفة على غرفة الطعام خلف إيان، وسألته على عجل: " آرييل ليست في غرفة الطعام، أليس كذلك ؟ "
" نعم، لم تظهر طوال اليوم."
شعرتُ بضرورة الذهاب لرؤية آرييل، فاتجهتُ نحو الرواق الغربي. كان يراودني أيضاً رغبة ملحة في الهروب من هذا الموقف الخانق، لكن في تلك اللحظة، أمسك شخص ما بذراعي على عجل .
التفتُّ خلفي بذعر، فرأيتُ لوكاس بملامح لا تقل ذهولاً عن ملامحي. بدا وكأنه أمسك بذراعي بشكل لا إرادي، فسرعان ما أفلتها بارتباك شديد .
" أنا آسف حقاً … ! "
" … آه، لا بأس، لا تقلق."
أجبتُ بتلعثم، فعض لوكاس على شفتيه بقوة ثم سألني: " هل كنتِ تنوين الذهاب لرؤية آرييل ؟ "
" أجل."
وضع لوكاس تعبيراً حائراً على وجهه وقال: " أعتقد أنه من الأفضل ترك آرييل بمفردها في الوقت الحالي."
بدا القلق واضحاً على وجهه هو الآخر. بما أن لوكاس هو أكثر من يعرف آرييل هنا، فقد أدركتُ أن الذهاب إليها عنوة الآن قد لا يكون التصرف الأمثل.
راقب لوكاس ملامح وجهي بصمت، ثم حاول الابتسام ليطمئنني قائلاً: " سأقوم بأخذ بعض الطعام إليها بعد قليل، لذا لا تقلقي كثيراً."
أومأتُ برأسي بهدوء موافقةً على كلامه، لكن القلق على آرييل ظل يؤلم قلبي .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
لم تظهر آرييل حتى وقت متأخر من المساء. رغم أن لوكاس أخذ لها الطعام، إلا أنه عاد إلى غرفة الطعام بطبق لا يزال ممتلئاً كما هو، مما يعني أنها لم تلمس وجبتها .
" يبدو أنها نائمة."
هذا كل ما قاله لوكاس، لكنني لم أصدق أن آرييل نائمة بالفعل، فهي تخشى الكوابيس بشدة، ولا أظنها ستهرب من واقعها المخيف إلى كوابيس نومها .
ظللتُ أحدق في الرواق الغربي لبرهة، قبل أن أعض على شفتي السفلى عند سماع صوت ريموند الذي دوى بجانبي متسائلاً: " هل قلتَ نظام التصويت ؟ "
****************************
الفصل : ٥٧
اليوم العاشر - 26/10 (10)
اندمج ريموند مع الجميع بسرعة مذهلة. وعلى عكس صوفيا التي اشتكت من التعب وانسحبت إلى غرفتها على الفور، استقر ريموند في وسط غرفة المعيشة وأخذ يتبادل أطراف الحديث الصاخب مع الجميع.
" أجل، نظام التصويت … شعرتُ أن رأسي سينفجر من شدة التفكير."
بدا أن طباع ماكس و ريموند متوافقة تماماً، إذ أخذا يضحكان ويتبادلان الأنخاب بزجاجات الجعة بخفة.
أجبرني ريموند على الإمساك بزجاجة جعة بدوره داعياً إياي للشرب، لكن لسببٍ غريب، شعرتُ بفقاعات الجعة وهي تخترق حنجرتي كأنها نصل سكين يمزقني.
" …… "
كانت قطرات الماء المتكاثفة على زجاجة الجعة تتساقط فوق ثيابي الواحدة تلو الأخرى. أخذت دوائر داكنة تتسع فوق حاشية تنورتي الزرقاء. و ظللتُ أراقب تلك الدوائر وهي تكبر ببطء، ثم رحتُ أحدق في الفراغ بشرود .
كان حلقي لا يزال يلسعني، وشعرتُ بشيء ما يزحف ببطء فوق ساقي، أما ضحكات ماكس و ريموند، فقد تناهت إلى مسامعي كأنها دوي رعد يمزق طبول أذني.
في النهاية، نهضتُ من مقعدي دون أن أشرب حتى نصف الزجاجة. قمتُ بإعداد وجبة لآرييل من غرفة الطعام وتوجهتُ نحو غرفتها .
— طرق، طرق .
طرقتُ باب غرفة آرييل بحذر، لكن لم أسمع أي رد من الداخل .
" آرييل، هل أنتِ نائمة ؟ "
كانت الأصوات القادمة من غرفة المعيشة تتردد في أذني كطنين سرب من النحل. وكان النظر إلى الباب الموصد أمراً شاقاً ومضنياً. وبدأ شعور مشؤوم يتسلل ويزحف ببطء على طول ظهري .
في النهاية، أمسكتُ بمقبض باب غرفة آرييل. وفي تلك اللحظة، فُتح الباب بصوت "صرير" خفيف .
" آرييل ؟ "
كانت غرفتها التي ظهرت لي عبر شق الباب غارقة في الظلام .
حاولتُ الابتسام لآرييل وقلتُ لها بصوت هادئ: " لقد أحضرتُ لكِ العشاء."
" …… "
" … هل أنت بخير ؟ "
" أنا بخير."
كان صوتها جافاً وذابلاً كأوراق الخريف. وعندما تملكتني الحيرة، حاولت آرييل أن تبتسم وكأنها تحثني على عدم القلق بشأنها: " أنا فقط متعبة قليلاً."
بدا وكأنها تحاول لملمة شتات تعابير وجهها المنهار، لكن محاولتها ذهبت سدى. قالت آرييل ذلك ثم أغلقت الباب مرة أخرى .
— طـاخ.
حدقتُ في باب غرفة آرييل الموصد بإحكام، وعضضتُ على شفتي السفلى بقوة. في النهاية، عاد طعامها إلى القدر مرة أخرى دون أن يجد صاحبه، ولم تكن حرارته قد بردت بعد .
قطبتُ حاجبيّ وأنا أغسل الأطباق، فالسوار الذي عثرنا عليه في الطابق الثاني لابد أن له صلة بكوابيس آرييل، فملامح وجهها أظلمت فور رؤيته.
في تلك اللحظة، تناهى إلى مسامعي صوت ماكس من خلفي مصحوباً بوقع أقدامه: " آنسة، أين آرييل ؟ "
التفتُّ خلفي قليلاً، فرأيتُ ماكس وقد اصطبغ خداه باللون الأحمر، يبدو أن أثر الجعة قد بدأ يظهر عليه .
" يبدو أنها ليست بخير."
" … حقًا ؟ "
" نعم."
"هي داخل غرفتها، أليس كذلك؟"
أومأتُ برأسي تأكيداً.
" شكراً لكِ."
بدا أن ماكس جاء فقط ليسأل عن آرييل، فقد ألقى كلمة شكر عابرة وغادر غرفة الطعام على الفور . وبينما كنتُ أستمع لصدى خطواته المبتعدة، وضعتُ الأطباق التي انتهيتُ من غسلها فوق رف التجفيف.
ملأ صوت تقاطر المياه من الأطباق أرجاء المطبخ، كان هو الصوت الوحيد الذي يكسر حدة الصمت.
تنهدتُ بداخلي بخفة وخرجتُ من المطبخ. كنتُ أشعر بالإرهاق، ولم أكن أرغب في شيء سوى العودة إلى غرفتي والاستلقاء على السرير.
سألني ريموند، الذي كان جالساً في غرفة المعيشة، وأنا أتجه نحو الرواق الغربي : " هل ستنامين بالفعل ؟ "
" نعم."
أشرتُ برأسي بخفة نحو الظلام الدامس خلف النافذة. رغم أن ريموند قضى عشرة أيام في الطابق الثالث ذي الظروف القاسية، وكان من المفترض أن يكون منهكاً، إلا أنه لم يظهر عليه أي أثر للتعب، بل ظلت عيناه الحادتان تفيضان بالصفاء والتركيز .
" إذن، طابت ليلتكِ."
أومأتُ برأسي له بالوداع .
وفي اللحظة التي كنتُ فيها على وشك العودة إلى غرفتي …
" …… "
رأيتُ آرييل وماكس يخرجان معاً من الرواق الغربي .
…… آرييل ؟
تسمرتُ في مكاني، فاتجهت نظرات آرييل نحوي مباشرة. لم ألحظ ذلك بوضوح من قبل بسبب ظلام الغرفة، لكن تحت الأضواء الساطعة، كانت عينا آرييل محمرتين بشدة .
… هل قام ماكس بإخراجها من غرفتها ؟
عندما وجهتُ نظري نحو ماكس، اكتفى بهز كتفيه بخفة .
سارعتُ بالاقتراب من آرييل وسألتها: " هل أعدُّ لكِ العشاء ؟ "
" لا، أنا بخير."
شعرتُ وكأنني أواجه آرييل ذاتها في يومنا الأول، تلك الفتاة التي كان يطغى عليها اضطراب وقلق واضحان. وكأنها استشعرت ما يدور في ذهني، وضعت آرييل ابتسامة باهتة على وجهها، لكن ذلك لم يدم سوى لحظة، إذ تيبست مكانها تماماً بمجرد أن لمحت شيئاً ما.
" …… ؟ "
انتابني الفضول، فنقلتُ بصري نحو الموضع الذي كانت تحدق فيه. كان ريموند جالساً هناك، حيث تلتقي نظراتهما.
رفع طرف فمه بابتسامة ساخرة وأومأ بيده نحو آرييل بحركة خفيفة .
" …… ! "
وفي تلك اللحظة بالضبط، شحب وجه آرييل تمامًا. وبينما كان يراقب رد فعلها هذا، لم يفعل ريموند سوى أن أطلق قهقهات خافتة .
" … هل تعرفان بعضكما ؟ "
سألتُ دون وعي مني، فما كان من ريموند إلا أن استمر في الضحك بجنون. وكلما تردد صدى ضحكاته في أرجاء المكان، زاد ارتعاش جسد آرييل بشكل ملحوظ.
أخذ ريموند يهز زجاجة الجعة التي في يده بخفة، ثم فتح فمه قائلاً: " آرييل، الآنسة فيفي تسألكِ."
" …… ! "
" تسأل ما إذا كنا نعرف بعضنا البعض."
كان صوته المليء بالمكر والدعابة يشبه تماماً نبرة صوته عندما كان يطمئن على أحوالي قبل قليل، لكن رد فعل آرييل كان كما لو أنها تستمع إلى شيء مقزز ومروع للغاية .
غطت آرييل أذنيها بيديها المرتجفتين بشدة، بينما كانت شفتاها الشاحبتان ترتجفان بضعف وانكسار .
" آه … هل يجب عليّ أن أجيب بدلاً عنها ؟ "
ابتسم ريموند بخفة وأسند ظهره براحة على مسند الأريكة، ثم قال لي بنبرة منعشة وكأن الأمر لا يعدو كونه حدثاً عادياً: " لقد قتلت هذه الفتاةُ شقيقتي."
كانت نبرته هادئة ومستقرة لدرجة أنني استغرقتُ بعض الوقت لأفهم معنى كلماته. وفي اللحظة التي أدركتُ فيها حقيقة ما قاله، ملأ صراخ آرييل الممزوج بالنحيب أرجاء غرفة المعيشة .
" لا … ليس صحيحًا … ! "
انهارت آرييل جاثية على الأرض وهي تغطي وجهها بكفيها .
" قلتُ ليس صحيحًا … ! "
بدأ كتفاها الصغيران يهتزان بعنف تحت وطأة النحيب، لكن على نقيض حالتها تلك، ظل ريموند محتفظاً بملامحه العادية الهادئة .
كان منظر آرييل الآن يبدو أكثر هشاشة وخطورة بمراحل مما بدت عليه في يومنا الأول في القصر .
" ما الذي يحدث هنا ؟ "
بدأ سكان القصر يخرجون من غرفهم واحداً تلو الآخر عند سماع صرخات آرييل .
" آرييل ! "
من بينهم، كان لوكاس أول من اندفع خارجاً، وتصلب جسده تماماً حين رأى آرييل منهارة على الأرض تكاد تفقد وعيها، لكن ذلك لم يدم سوى لحظة، إذ استعاد لوكاس رباطة جأشه وبدأ يتفحص حالة آرييل بلهفة.
وبعد أن اطمأن على آرييل التي غابت عن الوعي من شدة الصدمة، وجه لوكاس نظرة حادة نحو ريموند الجالس بهدوء على أريكة غرفة المعيشة .
ظل ريموند محتفظاً بابتسامته المعتادة دون تغيير. و برزت عروق الرقبة لدى لوكاس من شدة الغضب، لكنه لم ينبس ببنت شفة، بل حمل آرييل بين ذراعيه ومضى بخطوات واسعة وحازمة نحو الرواق .
" … ما الذي يحدث هنا ؟ "
سأل إيان بصوت مذهول، لكن بدا وكأنه لا يوجد أحد قادر على إجابته، حتى أنا، شعرتُ وكأن شفتي قد تجمدتا وعجزتا عن الحركة .
تحسستُ فمي المتصلب بيدي التي تحول لونها إلى الأزرق الشاحب من شدة الصدمة. وفي وسط تلك الأجواء المتجمدة، قال ماكس بنبرة وكأن شيئاً لم يكن: " لقد تأخر الوقت، أليس من الأفضل أن نتحدث في هذا الأمر غداً ؟ "
" هذا يبدو خياراً جيداً."
رد ريموند وحده بملامح مسترخية تماماً وهو يرتشف جرعة من الجعة .
نظر ماكس إلى كيڤن، الذي كان واقفاً بذهول أمام باب غرفته، واقترح عليه بنبرة هادئة: " كيڤن، اذهب أنت أيضاً إلى غرفتك ونم، الأمر ليس كبيراً."
أومأ كيڤن المذعور برأسه استجابةً لكلمات ماكس، ثم دخل إلى غرفته.
عضضتُ باطن خدي من الداخل. وفي تلك اللحظة، خاطبني ريموند بنبرة توحي بأنه كان يراقبني منذ مدة: " أظن أن الآنسة فيفي ستفهم موقفي هذا، أليس كذلك ؟ "
ابتسم ريموند بوجه مشرق وهو يواجه ملامحي المتصلبة وتابع: " فأنتِ أيضاً في وضع مشابه لوضعي، أليس كذلك ؟ "
عضضتُ على شفتي عند سماع كلماته .
… شقيقة ريموند .
حينها فقط، استطعتُ استحضار تلك الحادثة التي هزت مدينة تيفيرن وجعلتها تضج بالحديث عنها .
لقد كانت قضية جذبت أنظار الجميع، لدرجة كانت كافية تماماً لدفن حادث مروري مؤسف تعرضت له امرأة لا تملك أي صلات أو نفوذ .
زفرتُ أنفاسي ببطء وأنا أواجه عينيه الحمراوين اللتين تشعان بهدوء غريب.
لم أشعر يوماً بأن صوت أنفاسي غريب وغير مألوف إلى هذه الدرجة .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
البؤس الذي يتسلل في جوف السلام يكون تافهًا .
لقد كان الجميع مخموراً بالسعادة لدرجة تمنعني من مناقشة بؤسي معهم، لذا، قررتُ أن أحاكي سعادتهم وأقلدها.
آمنتُ بأنني إذا تتبعتُ خُطاهم، فسأصبح سعيدة يوماً ما مثلهم .
كان ذلك قبل أن أدرك أن الأمر لا يتعدى كونه مجرد تمثيل لدور شخص آخر .
****************************