الفصل ٤٤ و ٤٥ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم التاسع - 25/10 (3)

ارتشفتُ رشفة من قهوتي وسألتُ لوجان: " السرير ؟ "

" ظهري يؤلمني لدرجة أنني لا أستطيع النوم."

" ربما يجدر بك استخدام بعض اللاصقات الطبية من العيادة."

اقترح لوكاس بنبرة هادئة وهو يجلس بجانبي على الأريكة، فأطلق لوجان أنيناً متبوعاً بزفرة طويلة .

" أشعر وكأن جسدي تعرض للضرب المبرح."

" إلى هذه الدرجة ؟ "

بدى لوكاس متفاجئاً قليلاً، فاكتفى لوجان بتقطيب حاجبيه كإجابة بديلة .

" لذا أفكر في النوم على الأريكة بدءاً من اليوم."

" … في غرفة المعيشة ؟ "

" وهل توجد أريكة في مكان آخر غير هنا ؟ "

" …… "

" ماذا، هل لديكِ أي اعتراض ؟ "

عندما لم يجد مني رداً، سأل لوجان بنبرة حادة .

جفلتُ لبرهة، ثم هززتُ رأسي بسرعة نافيةً: " اعتراض ؟ أبداً، افعل ما يحلو لك."

في تلك اللحظة، فتح لوكاس فمه وتحدث بحذر: " ألا تعتقد أن الأمر … سيكون خطيراً ؟ "

" خطيرًا ؟ ولماذا ؟ "

" بسبب ما حدث للعم … ولأننا لا نعرف ما قد يحدث في الساعات الأولى من الفجر."

ضحك لوجان ساخراً بذهول من كلمات لوكاس: " يا لك من شخص يحب القلق بلا داعٍ، ومن ذا الذي سيحاول قتلي في الفجر ؟ "

" لكن مع ذلك … "

" كفى، أعتقد أن احتمالية موتي اليوم بسبب تحطم ظهري أكبر بكثير من احتمالية أن يقتلني أحدهم."

قال لوجان وهو يربت على أسفل ظهره بيده: " كما تعلمون، الظهر هو شريان الحياة بالنسبة للرجل، إنه الجزء الأهم في جسده، لذا، يجب الاعتناء به جيداً، هذا ما أحاول قوله."

" … وما الفائدة من الاعتناء به بينما يبدو أنك لن تستخدمه في شيء على أي حال ؟ "

نطق سيزار بهذه الكلمات فجأة بعد أن كان يستمع بصمت للحوار الدائر بين لوكاس ولوجان.

" ماذا قلتَ للتو ؟ "

كان صوت لوجان حادًا، لكن سيزار حافظ على تعبير وجهه الذي بدا وكأنه يتساءل بصدق. وبسبب الصدمة، عجز لوجان عن الرد وظل يحرّك شفتيه بذهول .

عند رؤية وجه لوجان الذي تتبدل تعابيره في كل ثانية، حاول لوكاس تغيير مجرى الحديث قائلاً: " إذن، هل أنام أنا أيضاً معك في غرفة المعيشة ؟ "

" …… ؟ "

ارتسم على وجه لوجان تعبيرات وكأنه سمع شيئاً شنيعاً ومنافياً للمنطق .

وسرعان ما سأل لوكاس بنبرة تملؤها الرهبة من مجرد الفكرة: " … هل أنت مهتم بي بأي حال من الأحوال ؟ "

انتفض لوكاس من مكانه فزعاً من كلماته: " أيها الأخ الأكبر، ما الذي تقوله ! أنا فقط … أنت لا تعلم ما قد يحدث ! ربما يأتي قاتل مجنون في منتصف الليل ويقوم بتصفيتك ! "

بدا أن سيزار لم يعد يرغب في سماع المزيد من هذا الهراء، فنقل خطواته مبتعداً . ومن اتجاه سيره نحو المطبخ، بدا وكأنه ذاهب للتحقق من صندوق الأسلحة في المخزن كإجراء احتياطي .

وضعتُ كوب القهوة الذي كنتُ أحمله على الطاولة، لكن في تلك اللحظة، وبينما كان لوكاس يحاول اللحاق بسيزار، اصطدم بكوب القهوة الذي وضعته للتو. انسكبت القهوة وبدأت تقطر فوق الأرض .

" يا إلهي ! "

مد لوكاس يده بسرعة نحو المناديل الموضوعة على الطاولة وهو في حالة ذعر.

" هل تأذيتِ ؟ "

تفحصني لوكاس وتعبيرات الصدمة واضحة على وجهه. ولحسن الحظ، بما أنني كنتُ على مسافة كافية من الكوب، لم أصَب بأذى .

" أنا بخير، ماذا عنك، هل تأذيت ؟ "

" أنا سليم تماماً."

تنفس لوكاس الصعداء وبدأ يمسح القهوة بالمناديل. وتبعته أنا أيضاً في مسح القهوة المنسكبة.

زمجر لوجان بلسانه مستنكراً وهو يلتقط بعض المناديل أيضاً ليساعدنا .

وبينما كان لوجان يمسح القهوة، لاحظ شيئاً ما فجأة ونطق بحيرة: " ساعتك معطلة."

" ماذا ؟ "

عندما سأل لوكاس مستفهماً، أشار لوجان بإصبعه نحو معصمه. حينها فقط، اتجهت نظراتي أنا أيضاً نحو معصم لوكاس.

انكشفت ساعة معصم لوكاس التي كانت متوارية تحت أكمام سترته ذات القلنسوة. بدت ساعة باهظة الثمن، ورغم الشروخ التي كانت تعلو زجاجها، إلا أن قيمتها المادية بدت عالية جداً .

" … يبدو أنها قد تجرح يدك."

نطقتُ بتلك الكلمات دون وعي مني، فابتسم لوكاس بحرج وأنزل كمه ليغطي الساعة مجدداً .

" هل أصلحها لك ؟ "

حتى مع عرض لوجان، اكتفى لوكاس بهز رأسه نفياً بهدوء، ثم رفض العرض بلباقة مع ابتسامة خفيفة: " أنا أفضلها هكذا."

تمتم لوجان بنبرة متبلدة : " … ذوقك غريب حقاً."

في تلك اللحظة، خرجت آرييل من المطبخ واقتربت من غرفة المعيشة، وكانت تحمل في يديها وعاءين.

تملكني العجب للحظة من مظهر آرييل، قبل أن أتسلم منها أحد الوعاءين بشكل عفو حين مدته إليّ.

ابتسمت آرييل بخفة وقالت بنبرة مرحة: " كلاكما لم يتناول الإفطار، أليس كذلك ؟ "

كان الوعاء يحتوي على رقائق الذرة مع الحليب.

لم أتوقع أبداً أن تحضر الإفطار بنفسها إلينا، فقلت بصوت خافت: " … شكراً لكِ."

" على ماذا ؟ أنا المسؤولة عن المطبخ بدءاً من اليوم، أليس كذلك ؟ "

رسمت آرييل ابتسامة رقيقة على وجهها. في غضون ذلك، اعتدل لوكاس في وقفته بعد أن انتهى من مسح القهوة المنسكبة. كان وجهه محمراً بشدة، ربما بسبب تدفق الدم إلى رأسه أثناء انحنائه.

مسح لوكاس العرق المتصبب على جبينه بظهر يده، ثم تناول الوعاء من آرييل.

وبعد أن حشر لقمة كبيرة من الرقائق في فمه، فتح الموضوع بحذر: " على أي حال، هل عثر أحدكم على موقع المتجر ؟ "

هززتُ رأسي رداً على سؤال لوكاس.

" ليس بعد، ماذا عنك ؟ "

" أنا أيضاً، مهما بحثتُ، لا أجد للمتجر أثراً."

تنهد لوكاس بضيق وكأن الأمر يسبب له صداعاً.

حينها نطق لوجان بصوت منخفض: " … بما أنه لا يظهر بهذا الشكل، أظن أنه قد يكون في الطابق الثالث."

" هل تعتقد ذلك … "

لعق لوكاس شفتيه بخيبة أمل.

رمقه لوجان بنظرة فاحصة ثم سأله: " ولكن، لماذا تهتم بالمتجر ؟ "

" نعم ؟ "

" … هل تنوي شراء حق تصويت إضافي ؟ "

تجمد لوكاس للحظة عند سؤال لوجان، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه المعتاد وأومأ برأسه: " بالتأكيد يجب أن أشتريه."

سألت آرييل بحذر وهي تستمع لحوارهما: " لكن، ألا تعتقدون أنه سيكون هناك حد أقصى للكمية المتاحة للبيع ؟ "

" هذا مرجح جداً، فلو امتلك الجميع حق تصويت إضافي، فستفقد هذه الميزة قيمتها."

أمال لوجان رأسه موافقاً، فعقبت آرييل بتمتمة خافتة : " همم، ربما هناك من عثر بالفعل على موقع المتجر."

سأل لوكاس بحذر وهو يغرق في أفكاره: " ولكن، هل يتم شراء حق التصويت الإضافي بالمال ؟ "

" بما أن مكان البيع يُسمى 'متجراً'، فمن المرجح أنه بالمال، ولكننا لا نملك أي نقود حالياً … "

لم يستطع أحد تقديم إجابة قاطعة على تساؤل آرييل، وغرق الجميع في حيرة.

وفقاً لكلام 'مقلة العين'، فإن المال موجود بالفعل داخل القصر، لكن أين هو، وهل يمكن شراء حق التصويت به فعلاً ؟ لا شيء مؤكد حتى الآن .

" …… "

حسب تخميني، وبينما قد يجهل الآخرون المصدر، فمن المحتمل أنني سأحصل على المال من خلال 'المهمة المخفية' التي تطلب مني العثور على الميت .

ورغم أن كون المكافأة عبارة عن '؟؟؟' استفهامات يثير ريبتي، إلا أن مكافآت المهمات في العادة تكون إما أدوات جيدة أو نقوداً .

لذا، كان عليَّ الإسراع بشراء حق التصويت الإضافي لأتمكن من استخراج المعلومات عن هيلين من لوجان .

في تلك اللحظة، التفت لوكاس نحو آرييل وكأنه تذكر شيئاً للتو: " آه، بمناسبة هذا، آرييل، ألا تودين النوم في غرفة المعيشة اليوم أيضاً ؟ "

" هاه ؟ "

ردت آرييل بصوت مذهول، فحك لوكاس خده بتعبير مرتبك وأضاف: " الأمر ليس جللاً، لكنني قررتُ أنا والأخ لوجان النوم في غرفة المعيشة الليلة."

" لماذا قد تفعلان ذلك … ؟ "

نطقت آرييل بكلماتها دون وعي، ثم بدت وكأنها تداركت خطأها .

" يقول الأخ إن السرير غير مريح للغاية … "

تلاشت نبرة لوكاس في نهاية الجملة، مما جعل وجه لوجان يزداد عبوسًا.

" لقد قلتُ إنني سأنام وحدي ! "

سألت آرييل لوجان بحذر : " … هل تخاف النوم وحدك في ساعات الفجر ؟ "

" ماذا ؟ من ؟ أنا ؟ "

أومأت آرييل برأسها بملامح مرتبكة، ثم التفتت تنظر إليَّ.

وعندما التقت عيناها بعيني، سألتني بلطف: " فيفي، وماذا عنكِ ؟ "

… لم أتوقع أن يرتد السهم نحوي فجأة .

" ما رأيكِ آنسة فيفيان، هل تنضمين إلينا ؟ "

حثني لوكاس بنبرة ضمنية. كان موقفاً غير متوقع تماماً، فاكتفيتُ بالرمش ببلاهة.

" … ما قولكِ ؟ "

نظرت إليَّ آرييل بعينين تشعان بالترقب .

فأجبتُ بهدوء مع ابتسامة مرتبكة: " الغرفة مريحة أكثر، ولكن … "

لوجان، الذي كان يستمع لحوارنا، لم يعد يطيق صبراً، فبعثر شعره من الخلف بخشونة وخرج من غرفة المعيشة صارخًا: " آه، سحقاً ! كفى ! سأنام في العيادة فقط ! "

راقب لوكاس ظهر لوجان المبتعد وهو يغادر الغرفة، وأطلق ضحكة خفيفة: " يبدو أن الأخ يشعر بالخجل."

… لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالخجل على الإطلاق .

ابتلعتُ تعليقي الأخير بالكاد.

****************************

الفصل : ٤٥

اليوم التاسع - 25/10 (4)

بعد انتهاء الوجبة، حملتُ الأطباق الفارغة إلى المطبخ وبدأتُ في غسلها .

وفي تلك الأثناء، ظللتُ أرقبُ نافذة المهمة بتمعن .

[ المهمة المخفية رقم ١ : عن الميت.]

[ يوجد ميت داخل قصر إرنست.
وهو يتظاهر بأنه من الأحياء، ويتسبب في ارتباك الناس.
اعثر على الشخص الذي يتظاهر بأنه حي.
المكافأة: ؟؟؟
الوقت المتبقي: 4 أيام، 6 ساعات، و13 دقيقة ]

مهما فكرتُ في الأمر، لم يتبادر إلى ذهني أحد تنطبق عليه هذه الشروط سوى لوجان .

إذن، هل الجواب هو لوجان ؟

بالنظر إلى التوقيت الذي ظهرت فيه المهمة، فإن المعطيات تشير بوضوح إلى أن لوجان هو الإجابة المؤكدة.

هممتُ بكتابة اسم لوجان ويدي لا تزال تقطر ماءً، لكنني توقفتُ فجأة .

' … هل لوجان هو الإجابة الصحيحة حقاً ؟ '

بدا لي من المضحك قليلاً أنني أتردد أمام إجابة تبدو بديهية ومنطقية إلى هذا الحد .

" …… "

لكنني في النهاية لم أستطع إكمال إدخال الإجابة. بما أن هناك متسعاً من الوقت، قررتُ التفكير في الأمر لبرهة أطول، ثم نفضتُ الماء عن يديّ.

في تلك اللحظة، دخل ماكس إلى المطبخ.

" أوه، كنتِ هنا إذن."

بدا شعره أشعثاً وكأنه استيقظ للتو. تثاءب ماكس بكسل وفتح الثلاجة، ثم أخرج منها زجاجة ماء وشربها بجرعات كبيرة .

" صباح الخير، سيد ماكس."

اكتفى ماكس بإيماءة خفيفة برأسه رداً على تحيتي.

" هل تناولتِ الإفطار ؟ "

" منذ قليل."

" همم، حسناً."

بدى على وجه ماكس بعض الخيبة، وكأنه لا يرغب في تناول إفطاره وحيداً. ويبدو أنه قرر الاكتفاء بوجبة خفيفة، فأخرج تفاحة من الثلاجة.

اقترب مني ماكس بينما كنتُ أقف عند حوض الغسل وبدأ بغسل تفاحته. وبعد أن انتهيتُ من غسل الأطباق، أفسحتُ له المجال ليتمكن من استخدام الحوض براحة .

وما إن انتهى من غسل التفاحة، قضم منها قضمة وهو يسرق النظر إليّ .

" …… ؟ "

أملتُ رأسي تساؤلاً عما إذا كان لديه ما يود قوله، فابتسم ماكس بخفة وفتح باب الحديث: " هل فكرتِ في العرض الذي قدمتُه لكِ في المرة الماضية ؟ "

عند سماع كلماته، استحضرتُ في ذهني ما قاله لي في أول يوم التقينا فيه.

"لكن قبل ذلك، يا آنسة ... ما رأيكِ أن نتحالف ؟ "

وتذكرتُ على الفور "حدث التعاون" الخاص به، فتوقفتُ مذهولة لبرهة .

" يبدو أنكِ لم تفكري في الأمر، أليس كذلك ؟ "

حدق ماكس في وجهي ثم أطلق ضحكة جوفاء نابعة من خيبة الأمل .

" في الحقيقة، نعم."

أجبته بصدق بينما كنتُ أمسح يديَّ اللتين لا تزالان مبللتين بملابسي .

" أعني … لم أكن أظن أن ذلك العرض لا يزال سارياً حتى الآن."

" أوه، حقاً ؟ "

عند سماع كلماتي، برقت لمحة من الأمل على وجه ماكس. في ذلك الوقت، وبمجرد أن رفضتُ عرضه، انخفض مستوى ثقته بي على الفور، لذا اعتقدتُ أن طلبه مني "التفكير في الأمر" كان مجرد مجاملة عابرة .

… لهذا السبب، بدا لي هذا الموقف غير متوقع إلى حد ما.

" إذن، ما هو جواب الآنسة ؟ "

سألني ماكس وهو يأخذ قضمة أخرى من التفاحة، فغرقتُ في حيرة من أمري. بكل تأكيد، كان هناك الكثير مما يمكن كسبه من التعاون مع ماكس .

المعلومات حول ألبرتو الذي قال إنه التقاه في الطابق الثاني، وملف تعريفه الشخصي …

… وحتى تبادل مفاتيح الغرف .

علاوة على ذلك، إذا تبادلتُ المفاتيح معه، سأتمكن من كشف سر "النقطة الرمادية" على الخريطة. وعلى الرغم من أن كل هذه المكاسب كانت تصب في مصلحتي، إلا أنني لم أستطع التخلص من شعور غريب بالريبة يراودني .

لقد كان مجرد حدس محض لا أساس له من الصحة. لا أدري لماذا، لكن شعرتُ أنه لا ينبغي لي الدخول في علاقة تعاون مع ماكس. وأنا من النوع الذي يثق بحدسه كثيراً .

نظرتُ إليه بتمعن، ثم وضعت ابتسامة مصطنعة وقلت: " أنا آسفة، أحتاج إلى المزيد من اليقين في الوقت الحالي، أعتقد أن الوقت لا يزال مبكراً لوضع يدي في يد أحد."

انفجر ماكس ضاحكاً رداً على كلماتي وقال: " أتفهم ذلك، لو كنتُ مكانكِ وجاء شخص ينقصه بؤبؤ عين ليطلب مني التعاون، لشعرتُ بالريبة حتماً."

" أوه، بالتأكيد ليس لهذا السبب."

لم يبدُ على ماكس أنه يصدق كلماتي تمامًا.

مددتُ يدي نحوه وتابعتُ حديثي : " عندما أصبح شخصاً أكثر نفعاً للسيد ماكس، سآتي إليك حينها ومعي معلومات تستحق المشاركة."

لحسن الحظ، لم تظهر نافذة تشير إلى انخفاض مستوى ثقته بي. تنفسْتُ الصعداء في سري.

" سأحتفظ بهذه الكلمات في ذاكرتي جيداً."

يبدو أن كلماتي لم تعكر مزاجه، فقد ارتسم على وجه ماكس ابتسامة عريضة وهو يصافحني.

هز يدي المصافحة ليده صعوداً وهبوطاً، ثم غير مجرى الحديث: " هل وجدتِ شيئاً في الطابق الثاني بالأمس ؟ "

" إذا أردنا الدقة، ربما مجرد جهاز كشف الكذب."

" حسناً، إنه مكسب لا بأس به على أي حال."

ألقى ماكس نظرة خاطفة خارج المطبخ، ثم قدم لي عرضاً : " أفكر في الذهاب إلى الطابق الثاني الآن، هل تود الآنسة مرافقتي ؟ "

" يسعدني ذلك."

تبعتُ ماكس خارج المطبخ. كان لوكاس وآرييل جالسين في غرفة المعيشة، ويبدو أنهما كانا يتبادلان حديثاً ممتعاً للغاية، إذ كانت الابتسامة تملأ وجهيهما.

" يبدو أن هذين الاثنين كانا مقربين منذ الصغر."

قال ماكس ذلك وهو يصعد الدرج، وكأنه لاحظ تفاعلهما أيضاً .

" إنها علاقة جيدة … أنا أحسدهما قليلاً."

" معك حق."

لم يكن لدي ما أضيفه، فاكتفيتُ بموافقته الرأي.

نظر إليّ ماكس شزراً وسأل: " بالتفكير في الأمر، ماذا كان عملكِ أيتها الآنسة ؟ "

" … كنتُ أمثل."

" أوه، كنتِ ممثلة ؟ لا عجب إذن، فوجهكِ من النوع الذي ينطبع في الذاكرة بعمق."

أطلق ماكس تعبيراً قصيراً عن إعجابه .

" من الغريب أنني لم أركِ من قبل أبداً."

اكتفيتُ بابتسامة مرتبكة. وبما أنه ظن أنني اعتبرتُ كلامه مجرد دعابة، أضاف ماكس بملامح جادة بعض الشيء: " ما قلته للتو كان حقيقة صادقة."

وبينما نحن نتبادل أطراف الحديث، وصلنا سريعاً إلى الطابق الثاني. كان المشهد مختلفاً تماماً عن ذلك السواد القاتم الذي رأيته في الفجر .

نقل ماكس خطواته بتعبير غريب وهو يتمتم: " ممثلة، هاه … "

" هل لديك صلة ما بالممثلين ؟ "

سألتُه بحذر لغرابة رد فعله، فهز كتفيه وكأن الأمر لا يستحق الذكر: " كان لدي مريض من بين مرضاي يجيد التمثيل بشكل مذهل."

" …… "

" لقد كان مريضاً يخلط بين شخصيته التي يمثلها وبين ذاته الحقيقية."

رمشتُ بعيني ببطء وأنا أستمع لحديثه .

" … وماذا حلّ بذلك المريض ؟ "

أجاب ماكس بنبرة لا مبالية : " ماذا قد يحل به ؟ لا يزال مريضاً."

لم أعلم بماذا أجيبه، فارتجفت شفتاي قليلاً قبل أن أنطق بصعوبة: " يبدو أنه انغمس تماماً في دوره التمثيلي."

" حسنًا، لقد كان ممثلاً بالفطرة على أي حال."

سألتُ ماكس بحذر: " وهل توقف عن التمثيل بعد ذلك ؟ "

" من يعلم، ذلك الوغد لم يأتِ لزيارتي منذ آخر وصفة طبية قدمتها له، لذا لا أعلم عن ذلك شيئاً."

" آخر وصفة طبية … ؟ "

أومأ ماكس برأسه رداً على سؤالي: " لقد أخبرته أن يتقبل الدور الذي يمثله كشخصية كاملة وكهوية حقيقية بدلاً من محاربتها."

ثم انفجر ماكس ضاحكاً بصوت خافت. جعلتني ضحكته تلك أرمقه بنظرة فاحصة دون وعي مني .

" حسناً، لقد كانت وصفة طبية قاسية، ولكن أليس الجميع يعيشون هكذا ؟ الطريقة التي تُظهر بها نفسك لعائلتك، والطريقة التي تُظهر بها نفسك للشخص الذي تحبه … "

" …… "

" أنتِ أكثر من يعلم أن لكل فرد عدة شخصيات يضعها حسب الموقف، أيتها الآنسة."

لم يكن كلامه خاطئاً. فحتى أنا، كانت الشخصية التي أظهرها للآخرين تختلف تماماً بناءً على نيتي .

تحدث ماكس بنبرة منخفضة: " آنسة، هل تعرفين رواية 'دكتور جيكل ومستر هايد' ؟ "

" … أعرفها، إنها رواية مشهورة."

الدكتور جيكل، الذي كان إنساناً عادياً في النهار، يتحول في الليل إلى "هايد"، القاتل الذي يمثل جانبه المظلم .

باختصار، كانت شخصية تعاني من انفصام في الشخصية.

داعب ماكس ذقنه بيده وهو يقول: " لذا فكرتُ في الأمر، ربما القاتل المختبئ بيننا هو شخص يشبه 'جيكل' تماماً."

" …… "

" أن يقتل شخصاً ثم يتصرف وكأن شيئاً لم يكن ؟ هذا أمر غير منطقي صراحةً، إلا إذا كان مختلاً عقليًا من نوع خاص، لأن أصعب شيء على المجنون أن يقلده هو أن يكون طبيعيًا."

نقر ماكس بإصبعه على رأسه وتابع: " وأعتقد أن هذا النوع من المختلين قد يكون أعظم شخص في العالم."

" …… "

" على أي حال، عندما فكرتُ بهذه الطريقة، لم يكن هناك سوى إجابة واحدة، لا أعتقد أن بيننا مختلاً بهذا المستوى من العظمة … لذا فمن المؤكد أن الجاني يمتلك شخصية أخرى لا يدرك هو نفسه وجودها."

شخصية مزدوجة … بالنظر إلى الأمر، لم يكن كلامه بعيداً عن الصواب، فـ 'فيفيان' التي قتلت ديريك، و 'أنا' التي دخلت جسدها بعد ذلك، كنا شخصيتين مختلفتين تماماً.

****************************

توضيح : رواية قصة الدكتور جيكل والسيد هايد، هي واحدة من أشهر الأعمال الأدبية الكلاسيكية في الأدب الإنجليزي، ونُشرت عام 1886.

تدور الرواية حول الصراع داخل النفس البشرية بين الخير والشر، وكيف يمكن لهذين الجانبين أن يتعايشا داخل شخص واحد.

الدكتور جيكل عالم محترم وهادئ، يسعى لاكتشاف طريقة لفصل الجانب الشرير من شخصيته عن الجانب الطيب. وينجح في صنع دواء غريب يحوّله إلى شخصية أخرى تُدعى هايد.

لكن، هايد يمثل الشر الخالص، بلا ضمير أو أخلاق، فيبدأ بارتكاب أفعال خطيرة وعنيفة، ومع الوقت، يفقد جيكل السيطرة على التحوّل، ويصبح هايد يظهر دون استخدام الدواء.

.

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان