الفصل ٣٢ و ٣٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السابع – 10/23 (10)

مضيتُ نحو الباب الشرقي وأنا أستعيد في ذهني الكلمات التي قالها ماكس قبل قليل .

لم يكن من المنطقي أنه التقى بألبرتو. والمقصود بكلمة «التقى» التي نطق بها لا بد أنه كان الرسالة، هذا هو الأرجح، لكن، إن كان الأمر كذلك، فقد بدا واثقًا على نحوٍ مفرط .

لم يدم عبوسي طويلاً، إذ رميتُ بنظرة جانبية إلى كيڤن الذي تبعني بصمت .

" كيڤن."

ما إن ناديته حتى انتفض بوضوح، غير أنه سرعان ما أومأ برأسه بحذر .

" … سمعتُ أنك كنتَ تدرس الحروف مع السيد إيان كل فجر ؟ "

ثمة سؤال كان يؤرقني منذ مدة وأردتُ طرحه عليه : كيف طالب بتبادل الملفات معي وهو لا يجيد القراءة بعد ؟

غير أن كلماته التالية عقدت لساني .

" … أنا آسف لأنني صرختُ قبل قليل."

" هاه … ؟ "

" لم أكن أريد أن ألوم الكبار … ولا أنتِ يا نونا أيضًا."

كلما واصل كيڤن حديثه، شعرتُ بأن فمي يزداد جفافًا.

هززتُ رأسي بهدوء : " … أفهمك، فكما قلتَ، نحن لم نحلّ شيئًا بعد."

انحنيتُ وجلستُ بحذر لأكون في مستوى عينيه : " لكن يا كيڤن، هناك أمر يثير فضولي … هل تسمح لي أن أسألك ؟ "

أومأ برأسه.

" قيل إنك أنت من اقترح على السيد إيان أن تدرسا كل يوم عند الخامسة، هل يمكنني أن أسألك لماذا الخامسة فجرًا تحديدًا ؟ "

كان الوقت مبكرًا على نحوٍ مفرط، حتى البالغين يعجزون عن الاستيقاظ بسهولة في مثل تلك الساعة، فكيف بطفلٍ صغير ؟

عند سؤالي اتسعت عينا كيڤن استغرابًا، كأنه لم يتوقع أن أطرح عليه سؤالاً عن نفسه .

ظل يرمش بعينيه الواسعتين للحظة، ثم قال : " هذا لأنني أستيقظ في ذلك الوقت."

" … حتى في منزلك ؟ "

أومأ كيڤن برأسه .

أليس الأطفال في العادة ينامون كثيرًا … ؟ أم أن أطفال هذه الأيام يستيقظون باكرًا إلى هذا الحد ؟

سألته بحذر : " هل هناك سبب يجعلك تستيقظ مبكرًا ؟ "

" لأن عليّ أن أذهب إلى العمل."

للحظةٍ خُيّل إليّ أنني أخطأت السمع. وحين تجمّدتُ في مكاني دون قصد، بدأت عينا كيڤن ترتجفان. كان وجهه يحمل تعبير من يظنّ أنه اقترف خطأ . فسارعتُ إلى إرخاء ملامحي المتصلبة وابتسمت له.

" عمل … ؟ أيّ عملٍ تقصد ؟ "

" تغليف حلوى ميشيل."

عجزتُ عن الكلام برهة .

" و … المدرسة ؟ "

لم يفعل سوى أن هزّ رأسه نفيًا. عندها فقط أدركتُ السبب الحقيقي وراء جهله بالقراءة والكتابة .

أضاف كيڤن بصوتٍ خافت : " لكن … أبي قال إنه سيرسلني إلى المدرسة ابتداءً من العام القادم."

" … و والدك، أليس لديه عمل ؟ "

لم يصلني جواب. راح يدير عينيه الصغيرتين في حزنٍ واضح، ثم فتح فمه بصعوبة .

" لا."

… يا له من جنون .

" في الحقيقة … لا يعود إلى البيت كثيرًا أيضًا."

… جنونٌ حقيقي .

كدتُ أعبس، غير أنني تماسكت بالكاد. شعرتُ وكأن رأسي ينبض ألمًا. وبذلتُ جهدًا مضنيًا لأبسط ملامحي قبل أن أنطق : " كيڤن … "

وكنتُ على وشك أن أشكره لصدقه معي …

" إن لم تكن أنتَ من قتل العم، أفلا يجدر بك أن تجيب عن سؤال بسيط كهذا بثقة ؟ "

اندفع صوت آرييل، مرتفعًا على غير عادته، ليخترق أذنيّ .

" آرييل نونا … ؟ "

يبدو أن كيڤن سمعها هو الآخر، إذ تمتم بصوتٍ مرتجف تغلّفه الخشية. بذعر، أسرعتُ إلى غرفة المعيشة .

" أنا لم أطرح عليك سؤالاً تعجز عن الإجابة عنه، أليس كذلك ؟ "

" هذا حقًا … ! "

اندفع لوجان، والغضب يملأ وجهه، نحو آرييل.

عندها اعترضه لوكاس وهو يصرخ بفزع : " لـ، لِنهدأ أولاً ونتحدث بهدوء … "

غير أن آرييل دفعت لوكاس جانبًا، عاجزة عن كبح انفعالها .

" ألم تقل بوضوح قبل قليل إنك تحدثتَ مع العم في غرفة الطعام ؟! أنت حتى لا تستطيع أن تجيب عمّا دار بينكما، فكيف تريدني أن أصدق براءتك ؟ "

" هاه ! وهل تظنين نفسكِ بعيدة عن الشبهات ؟ أليست المفاتيح التي تخصّ العجوز كانت معكِ ؟ من يدري، ربما تسللتِ إليه بينما كان نائمًا وقتلتِه ! "

" هل تعتقد حقًا أن هذا الكلام يوافق المنطق ؟ "

" لا أحد يعلم، فأنا أيضًا أتحدث فقط عن 'الاحتمالات' التي تتحدثين عنها."

احمرّ وجه آرييل بشدة. ظلت تزفر غيظًا للحظة، ثم أخرجت كلماتها بصوت حاولت جاهدًا أن تجعله هادئًا.

" دخلتَ غرفتك فوجدت أحدهم قد وضع سكينًا فوق الوسادة، وخشيت أن يُشتبه بك، فحاولت عند الفجر أن تعيد سكين المطبخ خفيةً إلى مكانه … "

" …… "

" في هذا الوضع، برأيك … من الأجدر بالشك ؟ أنا أم أنت ؟ "

تجهم وجه لوجان تمامًا . أما آرييل، وقد عجزت عن ابتلاع غضبها، فتابعت وهي تلهث بأنفاسٍ خشنة : " أنت لا تستطيع حتى أن تشرح ما الذي دار بينك وبين العم … جلستما معًا وتحادثتما، ومع ذلك تدّعي أنه لم يأتِ على ذكر السكين التي كنتَ تحملها ؟ "

قطّبت حاجبيها وأكملت : " العم الذي أعرفه ليس كذلك، منذ لقائنا الأول وهو يمطر كل واحدٍ منا بالأسئلة بدقة، هل يُعقل أن رجلاً كهذا لم يعلّق بكلمةٍ واحدة على السكين التي كانت في يدك ؟ "

تجمّد الجو في لحظة، وبات باردًا على نحوٍ خانق .

وبالفعل … كما قالت، فبطبيعة جاك، كان من الغريب ألا يسأل لوجان عن السكين. هو نفسه الذي سأل لوجان يوم التقيا أول مرة إن كان في كامل وعيه لأنه كان يحمل زجاجة نبيذ .

احمرّت عينا آرييل. كان فيهما غضب جاك المقتول، وحزنه معًا .

" لو كنتُ مكانك، لكشفتُ الحقيقة كاملة، ولو من شدة الظلم، لكنك تصرخ بأنك مظلوم، وفي الوقت نفسه تخفي الحقائق، في مثل هذا الوضع، من عساه يصدق براءتك ؟ "

امتلأ وجه لوجان بالغضب. و شعرتُ كأن الهواء البارد يطبق على عنقي .

عندها فتح إيان فمه بحذر : " … أنا أيضًا أوافق الآنسة آرييل، إن لم تكن قد قتلتَ السيد جاك، فلا ضير في أن تصارحنا بكل ما يتعلق به."

أطلق لوجان ضحكة قصيرة خاوية، ثم ما لبث أن رفع صوته.

" لقد قلتُ كل شيء كما هو ! قلتُ إننا تحدثنا، وقلتُ إن العجوز لم يسألني عن السكين ! أليست هذه هي الحقيقة ؟! "

" …… "

" كان مجرد حديث عابر ! حديث تافه لدرجة أنني لا أذكره ! "

غير أن الشك لم يغب عن عيني آرييل. بل كلما ارتفع صوت لوجان، ازداد الشك في عيون السامعين وهم ينظرون إليه . وقبض كيڤن على يدي بيده الشاحبة.

تمتم لوجان بيأس : " يا له من وضعٍ مقرف."

" حسنًا، لنفترض — كما تقولون — أنني قتلتُ العجوز، لكن لماذا سأقتله ؟ ولماذا سأضع زجاجة السم في غرفة تلك المرأة ؟ "

عند كلماته ضيّقت آرييل عينيها .

" رأيتُ كليهما لأول مرة في هذا القصر، أتقولون إنني قتلتُ رجلاً لا أعرفه حتى ؟ ما الذي تظنونني عليه ؟ "

" أهذا هو الدواء الذي كنتم تبحثون عنه ؟ "

في تلك اللحظة، جاء صوت ماكس من الممر الغربي .

لوّح ماكس بزجاجة دواء كان يمسكها في يده. وما إن وقعت عينا إيان عليها حتى انعقد ما بين حاجبيه.

" مضاد الهيستامين … الذي اختفى."

قذف ماكس بالزجاجة نحو إيان، فتلقّاها وهو يزداد عبوسًا .

" أين وجدتَ هذا … ؟ "

" اسمه لوجان، أظن ؟ كان في درج خزانته."

" …… ! "

عبستُ دون أن أشعر .

ما الذي يحدث الآن … ؟

" أيها الوغد، كيف تجرؤ على الكذب … ! "

تشوّه وجه لوجان فجأة، لكن ماكس رفع يديه مظهرًا براءة .

" لا تلمني وحدي، أنا والمحقق وجدناه معًا."

" عندما فتشتُ الغرفة أنا والكاهن، لم يكن هناك شيء … "

قال لوكاس ذلك، فسأله ماكس : " هل فتشتَ الأدراج أيضًا ؟ "

" لا … لم نصل إلى الأدراج … "

لحظة واحدة … كيف انقلبت الأمور هكذا ؟

اشتد ضغط يد كيڤن على يدي، وبدأت ترتجف أكثر فأكثر. فشدَدتُ على يده لكي أطمئنه .

" … كيف ستفسر هذا إذًا ؟ "

سألت آرييل بصوتٍ واهنٍ مرتجف. وحتى لوكاس، الذي كانت عيناه ترتجفان قلقًا، ثبت نظره على لوجان .

" هاه … ! "

أطلق لوجان ضحكة حادة، لكنه سرعان ما هدأ، وقال بوجهٍ مشوّه : " لا أعرف … أنا أيضًا لا أعرف … ! "

" …… "

" فكروا ما شئتم، اعتقدوا أنني أنا من قتل الرجل العجوز، افعلوا ما يحلو لكم ! "

ويبدو أنه لم يعد يرى جدوى في مواصلة الحديث معنا، إذ استدار وسار مبتعدًا .

****************************

الفصل : ٣٣

اليوم السابع - 10/23 (11)

بعد أن غادر لوجان غرفة المعيشة، تباينت وجوه الجالسين فيها، فكان لكلٍّ منهم تعبيره الخاص . أما أنا، فلم أستطع إخفاء ارتباكي، وحوّلت بصري نحو الرواق الغربي الذي ذهب إليه لوجان .

أن يكون ذلك الرجل هو الجاني على هذا النحو … كان في الأمر ما يثير الريبة أكثر مما يبدّدها. ثمة تفاصيل كثيرة لا تستقيم مع فكرة كونه القاتل .

تمتم إيان بصوت خافت : " لم أكن أتوقع أن يكون السيد لوجان هو من قتل جاك."

التفتُّ إليه دون وعي، فالتقت أعيننا.

قال متسائلاً : " … ما الأمر ؟ لِمَ تنظرين إليّ هكذا ؟ "

هززتُ رأسي برفق، متحفّظة.

تقدّم لوكاس بالكلام بحذر : " إذًا … ماذا سيحلّ بنا الآن ؟ "

ردّ ماكس بفتور : " وماذا سيحلّ بنا ؟ الأمر المهم الآن ليس ذلك الرجل."

وأضاف بلهجة باردة: " الأهم أن نعرف ما إذا كان هو نفسه الجاني في قضية القتل التي وقعت في هذا القصر أم لا."

ساد صمت ثقيل .

ثم أكمل : " لا تقولوا إنكم نسيتم ؟ الشخص الذي نبحث عنه ليس قاتل ذلك العجوز الذي مات اليوم."

قبضتُ يدي بقوة، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ اتجهت بخطواتي نحو الرواق الغربي .

" فيفي ؟ "

نادَتني آرييل بحيرة وهي تراقبني .

قلتُ بهدوء : " … هناك أمر يزعجني قليلاً."

وتقدّمت حتى بلغتُ باب غرفة لوجان. طرقتُ الباب طرقًا خفيفًا، لكن لم يصلني من الداخل أي صوت .

" …… "

في النهاية، أدرتُ المقبض وفتحت الباب.

كان لوجان جالسًا على السرير، وعيناه القاسيتان تحدّقان بي مباشرة . عضضتُ شفتي السفلى لبرهة، ثم أغلقتُ الباب خلفي .

كانت خيوط الشفق تمتد عبر النافذة، ملقيةً بظلالها الطويلة داخل الغرفة. وتناثر ضوء الغروب على الأرضية ليتوهج بلون أحمر قاني، بدا قاسيًا في جماله الكئيب .

تقدّمتُ نحوه بحذر. وعندما رآني، أطلق لوجان ضحكةً ساخرة .

" لماذا ؟ هل أرسلوكِ لمراقبتي ؟ "

قلتُ بهدوء : " لديّ ما أودّ أن أسألك عنه."

قطّب لوجان وجهه، فتقدّمتُ حتى وقفتُ أمامه مباشرة .

" … هل أنتَ من قتل جاك ؟ "

عند كلماتي، رفع لوجان رأسه بحدّة، كأنما استفزّه السؤال .

أطلق ضحكةً حادّة، وقال وهو يضغط على مخارج حروفه : " ماذا كنتِ تسمعين حتى الآن ؟ هذا صحيح، أنا من قتل ذلك العجوز."

" … حقًّا ؟ "

توقّف لحظة قصيرة، ثم أطلق ضحكةً جوفاء .

" هل أصابكِ الصمم ؟ قلتُ إنني قتلته."

نظرت إليه بثبات وقلت : " إذًا، لماذا وضعتَ زجاجة السمّ في غرفتي ؟ "

لم يأتِني جواب. تنهدتُ بخفوت وأنا أحدّق في صمته.

" وفوق ذلك … لماذا كنتَ تلمس وجهي عند الفجر ؟ ما الذي كنتَ تفعله بالضبط ؟ "

اشتعل لوجان غضبًا في لحظة : " لا تختلقي أحلامًا سخيفة ثم تتّهمي أبرياء."

" لم يكن حلمًا … "

قاطعني بخشونة : " مهما بلغت حاجتي إلى النساء، فلن ألمس امرأة مثلك، لديّ عينان في وجهي، على أي حال."

أمام رده العنيف، تمتمتُ بصوت متردّد : " لمَ كلّ هذا الانفعال … "

… لستُ متأكدة تمامًا، لكنّ شيئًا واحدًا كان واضحًا: الرجل الذي دخل غرفتي عند الفجر لم يكن هذا الرجل .

مسحتُ جبيني بأناملي، وحدّقتُ في لوجان بصمت. فتهرّب من نظري خلسةً، غير أن ذلك لم يدم طويلاً، إذ صاح بصوتٍ متشنّج :

" قلتُ لكِ أنا من قتله ! "

ثم نهض فجأة، وأمسك معصمي بقوة.

" إن انتهيتِ من هراءكِ فاخرجي."

بدأ يسحبني نحو الباب، لكنني تشبّثتُ بمكاني.

عندها التفت إليّ بوجهٍ مليء بعدم التصديق، وسأل بحدّة : " ماذا تفعلين الآن ؟ "

قلتُ بثبات : " لم أنهي كلامي بعد."

عند كلماتي، أطلق لوجان ضحكةً جوفاء، ثم مرّر يده في شعره إلى الخلف، وحدّق بي بعينين تتوهّجان بشراسة .

" يبدو أنكِ لا تملكين ما تقولينه، ما دمتِ تواصلين التفوّه بهذا الهراء."

التقت عيناي بعينيه السوداوين، الغارقتين في العتمة. كان وهج الغروب منعكسًا فيهما، حتى بدتا كمرآتين تعكسان حمرة السماء .

خرجت الكلمات من فمي دون أن أشعر : " أنتَ لم تقتله."

ارتعشت حاجباه عند عبارتي .

" … أليس كذلك ؟ "

وحين كرّرت سؤالي، بدأت عيناه تضطربان. غير أنه سرعان ما أطلق ضحكةً قصيرة، خاوية.

" …… "

مرّ صدى ضحكته بمحاذاة أذني، ومع ذلك لم يصلني منه جواب. في عنقه برزت عروقٌ غليظة مشدودة، كأنه يعجز عن انتزاع الكلمات من حنجرته.

قلتُ بإلحاح : " إذا اعترفتَ هكذا فحسب، فسيُحسم الأمر على أنكَ من قتل العم، أهذا حقًّا ما تريده ؟ "

صاح لوجان وهو يزفر غيظًا : " وماذا تريدينني أن أفعل إذًا ؟ حتى لو قلتُ الحقيقة، فلن تصدّقوا، بل ستستمرّون في اتهامي بقتل العجوز ! فماذا تريدينني أن أفعل ؟ "

استمعتُ إلى صرخته المشحونة بالقهر، ثم قلتُ بهدوء : " أنا أصدقك."

" ماذا ؟ "

تجمّد في مكانه .

" أعني ما قلته في البداية، قلتَ إنك لم تقتل العم."

بدأت عيناه ترتجفان، كطفلٍ تائهٍ فقد وجهته، تتقلّبان بلا مستقر .

لو ثُبّت الاتهام على لوجان على هذا النحو، لاندفن القاتل الحقيقي الذي قتل جاك إلى الأبد .

كان لا بدّ أن يخرج لوجان من هذه الغرفة … عندها فقط يمكننا أن نخطو خطوةً نحو الحقيقة .

كرّرتُ بثبات : " أصدق تلك الكلمات."

تراخت القوة فجأة من يده التي كانت تقبض على معصمي، فانفلتت أصابعه ببطء. وشعرتُ بألمٍ نابضٍ يسري في موضع قبضته .

" هاه … ! "

أطلق ضحكةً حادّة، ثم مسح وجهه بكفّه في حركةٍ جافة.

" ما الذي تعرفينه عني حتى تتفوهي بهذا الهراء عن الثقة و …… "

وفجأة، انقطع صوته في منتصف العبارة. التقت عيناه بعينيّ، فضيّقهما على نحوٍ مفاجئ .

" …… ؟ "

لم أكد أستوعب ما خطبه، حتى مدّ يده نحو وجهي. لامست أصابعه الساخنة طرف عيني .

" … لوجان ؟ "

راح يمسح جانب عيني بإبهامه، وهو يحدّق في حدقتيّ مليًّا، ثم قطّب جبينه فجأة وسأل : " أليس لديكِ إخوة ؟ "

… إخوة ؟

" منذ مدة، يراودني شعور أنني رأيتُ هاتين العينين في مكانٍ ما."

توقّف نفسي لبرهة. ضيّق عينيه كأنه ينقّب في ذاكرةٍ مطموسة .

" … كان اسمها هيلينا، أليس كذلك ؟ أظنّه كان كذلك."

" هيلين."

انفلت التصحيح من شفتي دون قصد، فابتسم ابتسامةً صغيرة، كأنه أدرك الأمر أخيرًا .

كيف لهذا الرجل أن يعرف هيلين … ؟

دفعتُ ارتباكي جانبًا، وسألته على عجل : " كيف تعرفها ؟ "

أجاب ببرود : " وكيف لا أعرفها ؟ هي التي جاءت تبحث عني."

وأطلق ضحكةً خفيفة، كأنه استحضر صورة هيلين في ذهنه. مرّر أصابعه على طرف فمه، وتمتم كمن يحدّث نفسه : " يا لكما من شقيقتين … تجري الجرأة في عروقكما كما لو أنكما لا تهابان الموت."

سألته بصوتٍ متعجّل : " ولأيّ سبب ذهبت هيلين إليك ؟ "

رمقني بنظرة جانبية وقال : " برأيكِ، لماذا تأتي طالبةٌ لا يفترض أن يجمعها بي أيّ تقاطع في حياتها، لتبحث بنفسها عن بلطجيّ من أزقة الشوارع الخلفية ؟ "

… سبب ذهاب هيلين إلى لوجان .

ابتلعتُ زفرةً جافة. كان يراقب وجهي المتجمّد بصمت، ثم قال أخيرًا : " يكفي، إن كنتِ قد انتهيتِ مما لديكِ، فاخرجي."

وأمسك معصمي مجددًا، ثم جرّني نحو الباب في إشارةٍ واضحة إلى أن أغادر .

لم أكن أملك من القوة ما يمكّنني من مقاومة قبضته .

" مـ، مهلاً ! "

صرختُ متعجّلة، لكنه تجاهلني تمامًا، وسحبني إلى خارج الغرفة .

— بـوم !

انغلق الباب أمامي بعنف .

حدّقتُ في الباب المغلق لحظةً بذهول، ثم استدرتُ في النهاية عائدةً إلى غرفة المعيشة.

غير أنني لم أقطع سوى بضع خطوات حتى توقّفت فجأة أمام النافذة التي ظهرت في مجال بصري .

[ ازدادت نسبة ثقة «لوجان بارنز» بكِ بنسبة 20٪.]

… عشرون بالمئة.

اتسعت عيناي قليلاً دهشةً من مقدار الارتفاع. لم أذهب إليه بنيّة رفع نسبة ثقته بي … وبما أن ثقته قد ارتفعت بهذا القدر، فربما أستطيع في المرة القادمة أن أسأله عن هيلين .

عندما دخلتُ غرفة المعيشة، كان الصمت قد خيّم عليها، وفي وسطه انبعث ضوء التلفاز ساطعًا .

[ يبدأ التصويت الأول.]

تضيّقت عيناي دون وعي، و داهمني القلق في لحظة.

سحبتُ قدميّ المتثاقلتين نحو التلفاز .

— دِررر …

وفجأة، بدأت أوراقٌ عديدة تتساقط من فتحة جهاز تسجيل الفيديو .

كان الشعار ذاته المرسوم على بطاقة الدعوة مطبوعةً على ظهر الأوراق .

وسرعان ما امتلأت شاشة التلفاز بالكلمات :

[ يرجى كتابة الاسم الكامل للشخص الذي تعتقدون أنه الجاني على ورقة التصويت.]

انحنى سيزار والتقط الأوراق المتناثرة على الأرض .

ثماني أوراقٍ فارغة .

ذلك البياض الصارخ … كان يخنق الأنفاس .

وامتلأت الشاشة مجددًا بالكلمات :

[ الشخص الذي سيحصل على أكبر عدد من الأصوات سيُعتبر الجاني .
وإذا كان ذلك الشخص هو فعلاً الجاني الذي ينبغي عليكم العثور عليه، فستغادرون القصر فورًا. أما إذا فشلتم في تحديد الجاني، فسيُستبعد ذلك الشخص، وسيموت الجميع.]

… ماذا ؟

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان