الفصل ٤٢ و ٤٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثامن - 24/10 (7)، و اليوم التاسع - 25/10 (1)

بدأت عيناي اللتان تراقبان لوجان بالاهتزاز تدريجيًا .

" إذا فهمتِ ما قلته، ففكري في العودة إلى منزلكِ، واسمعي قصة أختكِ من لسانها مباشرة."

عضضتُ على شفتي السفلى بقوة. لم أستطع إطلاقاً أن أنطق بكلمة واحدة تخبره بأن هيلين قد ماتت .

وفي النهاية، وتحت وطأة العجز عن البوح بحقيقة هيلين، غيرتُ مجرى الحديث : " إذن، قم بإبرام صفقة معي أيضاً، تماماً كما فعلت مع هيلين."

ضاقت عينيه وهو يسأل : " كيف فهمتِ كلامي الذي قلته للتو بحق خالق الجحيم ؟ "

" أريد أن أعرف كل شيء عن هيلين، ما هو الثمن الذي يجب أن أدفعه لشراء معلوماتها ؟ "

" هل فقدتِ عقلكِ أخيراً ؟ "

" …… "

" هل تدركين حتى معنى 'الصفقة' التي تتحدثين عنها قبل أن تنطقي بها ؟ "

أطلقتُ ضحكة خافتة وقلت: " من يعلم، لستُ متأكدة تماماً، ولكن، ألا تعتقد أنها تتبع ذات المنطق الذي جعل هيلين تتمسك بحافة الهاوية وتأتي للبحث عنك ؟ "

لم تظهر على ملامح لوجان المقطبة أي علامة للارتياح .

راقبتُه بصمت، ثم تابعتُ حديثي بهدوء: " قبل ذلك، هناك شيء واحد أود توضيحه، حياة هيلين لم تتدمر."

" آه، حقًا ؟ هذا أمر يبعث على الارتياح إذن."

" أما أنا، فحياتي هي التي تدمرت بالفعل."

" … ماذا ؟ "

" أليست هذه شروطاً جيدة بما يكفي لإبرام صفقة معك ؟ "

بقي لوجان يحدق بي بذهول تام وكأنه قد عجز عن النطق، ثم تحدث بصعوبة : " … أي نوع من البشر أنتِ ؟ "

هززتُ كتفي بخفة: " أم يجب عليّ التوسل لعواطفك ؟ إذا كان هذا سيجدي نفعاً معك، فيمكنني ذرف الدموع الآن فوراً."

رمشتُ بعيني ببطء، ففزع لوجان وأمسك بكتفي على عجل: " لا تقولي لي أنكِ ستبكين الآن ؟ "

" … لن أبكي."

حدق لوجان في وجهي لبرهة، وحينها فقط تنفس الصعداء وكأن حملاً قد انزاح عن صدره، ثم بدأ يحك مؤخرة رأسه بخشونة وتعبير الضيق يكسو وجهه .

" … هل أستعد للبكاء ؟ "

قطب لوجان وجهه على الفور عند سماع سؤالي : " اصمتي وانتظري قليلاً، سأفكر لأرى إن كان هناك شيء يمكنني كسبه منكِ."

أطلق أنيناً خافتاً وهو يغرق في التفكير، ولكن، لحسن الحظ، بدا أنه قد عثر على فكرة جيدة، ففتح شفتيه اللتين كانتا مطبقتين طوال الوقت وقال: " أنتِ، هل تعرفين موقع 'المتجر' ؟ "

هززتُ رأسي ببطء نفياً لكلماته، فزفر لوجان زفرة طويلة وكأنه كان يتوقع ذلك .

" أجل، كنتُ أظن ذلك، لم يكن لديّ حتى أدنى أمل."

" …… "

" على أي حال، هذا هو عرضي لكِ."

" هل تقصد أن عليّ معرفة موقع المتجر ؟ "

هز لوجان رأسه ببطء معترضاً على فهمي: " بشكل أدق، أريد 'حق تصويت إضافي'."

توقفتُ مذهولة عند سماع كلماته، فأضاف لوجان بهدوء : " اشتري حق تصويت إضافي بأي وسيلة كانت وأحضريه لي، هذه هي الصفقة التي أعرضها عليكِ."

… كان عرضاً يبعث على الصداع حقاً .

وعندما لم يجد مني رداً، أمال رأسه متسائلاً : " هل ترفضين ؟ "

ضغطتُ على صدغي بقوة وأنا أرمقه بنظرة فاحصة، بينما هز لوجان كتفيه بخفة وكأنه يسألني إن كان لديّ أي اعتراض .

حاولتُ فتح فمي بهدوء مصطنع: " حسناً، لقد فكرتُ في الأمر للتو."

ابتسمتُ له بإشراق وأضفتُ : " ألا يمكنني فقط التوسل لعواطفك ؟ "

" هل فقدتِ عقلك ؟ "

" …… "

" من أين لكِ هذه الجرأة لتقولي هذا الهراء ؟ "

شبك لوجان ذراعيه أمام صدره بابتسامة واثقة .‎

… أجل، كان ذلك متوقعاً منه.

" حسناً، كما تريد، موافقة."

تنهدتُ في سري وأنا أومئ برأسي موافقةً .

[ ارتفع مستوى ثقة 'لوجان بارنز' بك بمقدار 5%.]

… على الأقل، لم يكن الأمر دون أي مكسب إطلاقاً .

اليوم التاسع - 25/10

الساعة الثالثة فجرًا .

حل الفجر، لكنني لم أستطع النوم بتاتاً، وظللتُ أذرع الغرفة ذهاباً وإياباً. وفجأة، توقفت خطواتي تماماً .

' … في هذا الوقت، يفترض أن يكون الجميع غارقين في النوم.'

مهما فكرتُ في الأمر، بدا أن هذا هو التوقيت الأمثل للذهاب إلى الطابق الثاني لجمع الأدلة التي يجب التخلص منها، وإحضار " مقلة العين".

فتحتُ الباب بحذرٍ شديدٍ كي لا أُصدر صوتًا، ثم تسللتُ إلى الأمام على أطراف أصابعي .

كان الممر مُظلمًا تمامًا، فلم أستطع رؤية أي شيء أمامي جيدًا .

توجهتُ بهدوء نحو منطقة غرفة الطعام، ولحسن الحظ لم أسمع أي أثر لحركة بشرية. يبدو أن الجميع غارقون في النوم كما توقعتُ. حينها فقط تنفستُ الصعداء وأسرعتُ بالتوجه نحو الطابق الثاني .

" …… "

استقبلتني برودة قاسية في الطابق الثاني.

في تلك الأجواء المظلمة والرطبة، لن يكون من الغريب أبداً أن يظهر شبح في أي لحظة.

سرى خدر في جسدي وشعرتُ بالقشعريرة. بدأتُ أدلك ذراعيّ اللتين قشعرتا، و وقفتُ أمام المكتبة، ثم أخرجتُ المفتاح الذي تركته لي مقلة العين في غرفة الألعاب و وضعته في الثقب .

" …… "

لكن حجم المفتاح كان أصغر بكثير مقارنة بالثقب. استدرتُ وتحققتُ أيضاً من مقبض باب غرفة الدراسة، لكن لسوء الحظ، كان باب غرفة الدراسة على نفس الحال .

في النهاية، يئست من محاولة فتح باب المكتبة وغرفة الدراسة، وانتقلتُ إلى غرفة الطعام.

فتحتُ باب غرفة الطعام المغلق بإحكام قليلاً، ففزعتُ عندما رأيت مشهد الغرفة وهي تستقبل ضوء القمر الأبيض بالكامل .

آه، إنها بيئة غريبة جداً لدرجة أنه من المريب ألا يظهر فيها شيء غير طبيعي .

ناديتُ عليه بصوت خافت وحذر: " مـ … مقلة العين … "

لكن "العين" التي اعتقدتُ أنها ستكون في غرفة الطعام لم تكن موجودة في أي مكان .

… هل ذهبت إلى غرفة التدبير المنزلي ؟

انتقلتُ على الفور إلى غرفة التدبير المنزلي. وبمجرد دخولي، سمعتُ صوت صرير الأرضية الخشبية. رغم أنه كان صوتاً عادياً، إلا أنه جعل القشعريرة تسري في أوصالي فجأة.

يبدو أنه ليس موجوداً في غرفة التدبير المنزلي أيضاً. حدقت في الأرضية بسرعة خشية أن تكون "العين" تتدحرج هناك، لكن لم يكن لها أثر .

" …… "

هل انتقلت إلى مكان آخر ؟

في النهاية، توقفتُ عن البحث عن "العين" وتوجهتُ نحو خزانة الأدراج الثالثة الموضوعة خلف تمثال العرض (المانيكان).

لم أستطع منع نفسي من الشعور بالرعب أمام منظر المانيكان مقطوع الرأس الذي يلمع بلونه الأبيض. ابتلعتُ ريقي بصعوبة ومددتُ يدي نحو خزانة الأدراج .

(طق).

كان الدرج مغلقاً، وبما أن هناك ثقباً صغيراً للمفتاح، بدا أن الأمر يتطلب مفتاحاً لفتحه.

أخرجتُ المفتاح الذي كان في يدي، وحاولتُ وضعه في ثقب مفتاح الخزانة، لكن الثقب كان صغيراً جداً مقارنة بالمفتاح المعدني .

… هل يجب عليّ البحث عن مفتاح آخر ؟

بما أنه لم يتم العثور على أي مفاتيح أخرى في الطابق الأول، فلا بد أن المفتاح موجود إما في الطابق الثالث أو الثاني .

بدأ رأسي يؤلمني من التفكير .

همم، ألن يكون تحطيم الدرج أفضل من البحث عن مفتاح ؟

راودتني هذه الرغبة المفاجئة، لكنني كبحتُ جماح نفسي بصعوبة وفتحتُ الخريطة.

كانت النقطة الزرقاء لا تزال تشير إلى خزانة الأدراج. حدقتُ فيها بجمود وقطبتُ ما بين حاجبيّ .

… بما أنه لا يوجد مفتاح في الطابق الأول أو الثاني، فهل يعني هذا أن هذا الدرج لا يمكن فتحه الآن ؟

لكن إذا سارت الأمور على هذا النحو، فإن الأدلة التي يمكن للاعب جمعها من الطابق الثاني ستكون محدودة للغاية .

المكتبة وغرفة الدراسة مغلقتان، والأماكن التي يمكنني دخولها هي مجرد غرفة الطعام وغرفة التدبير المنزلي …

غرقتُ في التفكير وأنا أراقب الخريطة بتمعن.

بالطبع، كان هناك مفتاح آخر بحوزتي حالياً .

مفتاح الغرفة.

لقد كان مفتاحاً أزرق اللون، تماماً مثل النقطة الزرقاء التي تشير إلى موقع الدليل .

… سأجرب استخدامه، فلا ضير من المحاولة .

حسنًا، لم يكن لدي ما أخسره على أي حال.

أخرجتُ مفتاح الغرفة من "قائمة الأدوات" وأدخلته في ثقب القفل. وعلى عكس توقعي بأن يتعذر دخوله، استقر المفتاح في مكانه وكأنه قد وجد موقعه الصحيح أخيراً .

" …… ! "

بما أن الشك كان يغلب عليّ، لم يسعني سوى الشعور بقدر كبير من المفاجأة.

تركتُ مشاعر الذهول جانباً وفتحتُ درج الخزانة .

وجدتُ بالداخل ورقة ومعها مفتاح جديد، ولأن غرفة التدبير المنزلي كانت مظلمة للغاية، انتقلتُ إلى النافذة حيث ضوء القمر لأتمكن من قراءة الكلمات .

[ اختفاء ديريك جينكينز، ابن العمدة كارتر جينكينز.
في الثامن والعشرين من أكتوبر الماضي، تم استلام بلاغ عن اختفاء ديريك جينكينز.
وفقاً لإفادة الملازم هانا ووكر، من "غلاستر"، والتي كانت آخر من التقى بديريك جينكينز، فقد تناولت الطعام معه في الخامس عشر من أكتوبر عند الساعة الحادية عشرة صباحاً قبل أن يفترقا.
تقوم الشرطة حالياً بالتحقيق مع الأشخاص الذين التقوا بديريك جينكينز بعد يوم 15، بالإضافة إلى البحث في التفاصيل الدقيقة للحادثة.]

لم يكن هذا سوى مقال صحفي يتحدث عن ديريك. بعد ذلك، سحبتُ الورقة التي كانت مطوية خلف قصاصة الصحيفة إلى الأمام. ومن المثير للدهشة أن الورقة المرفقة كانت عبارة عن رسالة .

قطبتُ ما بين حاجبيّ وبدأتُ أقرأ محتوى الرسالة :

[ ديريك، لقد استلمتُ الرسالة التي أرسلتَها لي.
كما أنني أعتقد أنني أفهم الموقف الذي تخشاه، لكن هذا الأمر مستحيل تماماً. رغم أنني أحب المال كثيراً، إلا أنني لا أعتقد أنني أستطيع تلبية طلبك هذه المرة .
ومع ذلك، يمكنني مساعدتك في تنظيف الآثار.
وكما تعلم، الحصول على الأشياء أسهل من طرفك أنت.
علاوة على ذلك، أليس التخلص من الآثار هو الأهم ؟
سأقوم بتصفية الأمر بشكل نظيف، فلا داعي للقلق بشأن هذا الجزء .
على أي حال، إذا غيرت رأيك فتواصل معي.
ملاحظة : تذكر أن الثمن سيتضاعف إذا تجاوز وزن الطرد 80 كيلوجراماً.]

لم يكن اسم المرسل مكتوبًا . تحققتُ من وجه الرسالة وظهرها، لكن لم تكن هناك أي كلمات أخرى مكتوبة .

… ألا يوجد ردٌ على هذه الرسالة هنا ؟

****************************

الفصل : ٤٣

اليوم التاسع - 25/10 (2)

عضضتُ على شفتي السفلى بقوة و وضعت الأدلة في "قائمة الأدوات".

أعدتُ قفل الدرج مرة أخرى، وتوجهتُ فوراً نحو غرفة الطعام.

كانت غرفة الطعام أقل كآبة و وحشة بكثير مقارنة بغرفة التدبير المنزلي التي كانت تكتظ بتماثيل العرض (المانيكان) المصطفة.

شعرتُ بالراحة في سري وتوجهتُ مباشرة نحو خزانة الأدراج. بدأتُ بتجربة المفاتيح التي كانت في يدي واحداً تلو الآخر في ثقب قفل الدرج المغلق .

هذه المرة، كان المفتاح الذي عثرتُ عليه في غرفة التدبير المنزلي هو المفتاح الصحيح. وكما هو الحال مع المقتنيات التي وجدتها سابقاً، كان يوجد بالداخل ورقة ومفتاح جديد.

ابتلعتُ ريقي بصعوبة وأخرجتُ الأدلة الموجودة بالداخل .

وفي اللحظة التي كنتُ أعيد فيها قفل باب خزانة الأدراج …

— خطوات أقدام .

" …… ! "

سمعتُ صوت وقع أقدام شخص ما وراء باب غرفة الطعام المغلق .

… كان صوتاً لشخص يسير متجهاً نحو غرفة الطعام .

ألقيتُ نظرة سريعة حولي، ثم هرعتُ للدخول إلى داخل الخزانة وأغلقتُ بابها عليّ .

يبدو أن الخزانة لم تُستخدم منذ زمن طويل، فقد كانت مليئة بخيوط العنكبوت، و شعرتُ بشيء ما يزحف ببطء فوق جسدي .

كان ذلك الإحساس مرعباً لدرجة القشعريرة، لكنني كتمتُ أنفاسي و وضعتُ يدي على فمي بإحكام .

— صرير .

بعد لحظات، فُتح باب غرفة الطعام .

كنتُ أريد استراق النظر عبر فتحة باب الخزانة لأعرف من القادم، لكنني لم أجرؤ على الحركة .

كانت الخزانة قديمة جداً ومتهالكة، وشعرتُ أنها قد تتحطم أو تصدر صوتاً إذا تحركتُ ولو قليلاً .

الشخص الذي دخل إلى غرفة الطعام لم يقم بتشغيل الأضواء، تماماً مثلي. بدا وكأنه هو الآخر لا يرغب في ترك أي أثر خلفه .

لسبب ما، شعرتُ وكأنني أختنق، فبدأتُ أخرج أنفاسي ببطء وحذر شديدين .

تردد صدى صرير آخر يبعث على القشعريرة، لقد أغلق الباب خلفه كما فعلتُ تماماً، ثم تحرك ببطء .

وفجأة، توقف وقع أقدامه تماماً .

تصبب العرق البارد من ظهري، ورغم أن الجو لم يكن حاراً إلى ذلك الحد، إلا أن الخزانة كانت مفعمة برطوبة خانقة . و التصقت تلك الرطوبة اللزجة بجسدي .

وعلاوة على ذلك، لا يزال ذلك الشيء المجهول يزحف فوق جلدي .

— ارتطام .

سمعت صوت ارتطام شيء ما بخزانة الأدراج المغلقة، وسرعان ما أطلق ذلك الشخص شتيمة بصوت هامس جدًا .

لم يكن صوته واضحاً تماماً، لكن كان من الجلي أنها شتيمة .

ومن صوته، يبدو أنه رجل …

حاول سحب الأدراج بضع مرات أخرى، ثم تنهد وكأنه استسلم أخيراً، وغادر غرفة الطعام .

… هل عاد إلى غرفته ؟

بما أنني لم أكن متأكدة من أي شيء، قررتُ البقاء مختبئة في الخزانة لفترة أطول قليلاً. وفي تلك الأثناء التي خلت فيها الغرفة، بدأتُ أنفض ساقي التي كانت تشعرني بالحكة .

وبمجرد أن بدأ إحساس الزحف فوق ساقي يتلاشى، سمعتُ صوت فتح الباب مجدداً .

حبستُ أنفاسي مرة أخرى .

— طقطقة، طقطقة .

ترددت تلك الأصوات المزعجة عدة مرات، ثم تبعها صوت فتح الدرج أخيراً .

" هاه … "

أطلق ذلك الشخص ضحكة حادة وساخرة بعد أن تحقق مما بداخل الدرج .

… من يكون هذا بحق خالق الجحيم ؟

ظلت هويته لغزاً غامضاً، من شتائمه اعتقدت أنه قد يكون لوجان، لكن … لوجان لا يبدو من النوع الذي يتسلل إلى الطابق الثاني ليلاً، بل كان ليفتش في الخزانة في وضح النهار .

بعد برهة، أغلق الدرج وغادر الغرفة .

— بـااام .

جفلتُ قليلاً من صوت ارتطام الباب الذي دوّى في أذني. كان من حسن حظي أنني كتمتُ فمي بيدي حتى لا يتسرب أي صوت مني .

" …… "

على الأرجح، توجه نحو غرفة التدبير المنزلي المقابلة، فقد سمعتُ صوت فتح الباب من تلك الجهة .

حينها فقط مددتُ ساقي، فرغم أنني ظننتُ أن الوقت لم يطل، إلا أن خَدَراً تملكني. بدأتُ أدلك ساقي وأنا أنتظر عودته إلى غرفته بفارغ الصبر .

— بـاام، طقطقة .

لكن فجأة، سمعتُ من جهة غرفة التدبير المنزلي أصواتاً تشبه تحطيم شيء ما. توقفتُ عن تدليك ساقي فوراً .

ما … ما هذا ؟ هل يعقل أنه يحطم الأدراج ؟

لا، ولكن … إذا كان سيحطم الأدراج بهذا العنف، فأي معنى يبقى لتسلله سراً ؟

دويٌّ كهذا كان كفيلاً بأن يُسمع حتى في الطابق الأول .

كتمتُ أنفاسي وأطبقتُ يدي على فمي بإحكام رغم شعوري بالذهول .

كم من الوقت مضى ؟ سمعتُ أخيراً صوت وقع أقدام يخرج من غرفة التدبير المنزلي. ولم يمضي وقت طويل حتى تلاشت تلك الأصوات تماماً واختفى أي أثر للحركة .

… لقد عاد أدراجه أخيراً .

عندها فقط استطعتُ الخروج من الخزانة. بدأت نسمات الهواء الباردة بالخارج تجدد هواء الخزانة الخانق.

بدأتُ أدلك جسدي المتصلب وأنقل ساقي التي أصابها الخدر نحو الباب. لم يكن هناك أي صوت مسموع خلف الباب .

على الأرجح قد عاد إلى غرفته … أليس كذلك ؟

شعرتُ بنوع من القلق، فلبثتُ في الغرفة قليلاً قبل أن أخرج منها. ولحسن الحظ، كانت صالة المعيشة هادئة تماماً ولا يوجد بها أحد .

توجهتُ إلى غرفتي فوراً وذهبت إلى الحمام مباشرة .

كان الاغتسال هو الأولوية القصوى بالنسبة لي الآن … قبل الأدلة أو أي شيء آخر .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

لا أتذكر كم مرة غسلتُ فيها جسدي. مهما حاولت تنظيف نفسي، كان ذلك الإحساس المقزز الذي شعرتُ به داخل الخزانة لا يزال يطاردني.

نشفتُ شعري بالمنشفة على عجل واستلقيتُ على السرير، ثم أخرجتُ الورقة التي جلبتها من غرفة الطعام من "قائمة الأدوات".

كانت الورقة مليئة بكلمات مكتوبة بخط يد أنيق ومنظم للغاية .

[ إلى معلمي العزيز.
أتمنى أن تكون بخير.
أنا أعيش الآن بسلام وبدون أي مشاكل بفضل اهتمامك وقلقك عليّ. وقد استلمتُ رسائلك التي أرسلتها لي بكل امتنان.
على أي حال يا معلمي، هل تتذكر الكلمات التي قلتها لي ذات مرة ؟
قلتَ إن الذكريات تشبه الرمال، وإذا ضربتها موجة عاتية، فإن تلك الذكريات ستُدفن في الأعماق .
لا أعلم إن كنتَ لا تزال تتذكر ذلك، لكنني عشتُ حياتي وأنا أحفر تلك الكلمات في قلبي دائماً.
كنتُ أظن أن هذه الذكريات المروعة المتبقية لديّ ستُدفن في الأعماق .
وآمنتُ أنني يوماً ما سأعيش بسلام، تماماً كما كانت أمنيتك القديمة لي.
لكنني أدرك الآن.
الذكريات لا تُنسى. بل كلما حاولتَ نسيانها، أصبحت أكثر وضوحاً .
السبب الذي جعلني أكتب لك اليوم هو أنني أود أن أخبرك، ليس عليك إرسال المزيد من الرسائل بعد الآن.
أنت الذي عشتَ حياة هادئة ومستقرة فقط، ربما لن تفهم هذا الأمر جيداً .
بالنسبة لشخص ما، فإن أعظم مواساة هو مقابلة شخص يمر بنفس ظروفه تماماً.
ما أحتاجه هو المواساة، وليس الغفران .
إذا كنتَ ترغب حقاً في أن أشعر بالراحة، فأرجو ألا تتحدث عن مغفرة ذلك الشخص مرة أخرى.
الغفران ليس كلمة يمكن لأمثالك أن ينطقوا بها بهذه السهولة .
هذا إذا لم تكن أنت من سيقدم لي المواساة التي أرغب بها بنفسك.]

بدت بقعة الحبر وكأنها تكتلت بشكل دائري، مما يوحي بأن كاتب الرسالة قد استغرق وقتاً طويلاً قبل أن يخط جملته الأخيرة .

لم يكن لديّ أدنى فكرة عن هوية الكاتب أو المرسل إليه .

" …… "

للوهلة الأولى، بدا الخط مستديراً ومنمقًا كأنه خط امرأة، لكن لم يكن من القطعي تحديد الجنس من خلال الخط وحده، فليس من المستحيل وجود رجل يمتلك مثل هذا الخط.

غرقتُ في تفكيري وأنا أعبث بصدغي لبرهة، ثم وضعت الرسالة في "قائمة الأدوات".

رغم أن الأدلة بدأت تتراكم واحداً تلو الآخر في قائمتي، إلا أنني لا أزال أشعر بالعجز عن الإمساك بطرف الخيط .

أسندتُ رأسي إلى الوسادة واستسلمتُ لأفكاري. بعيداً عن موضوع الرسالة، كان هناك أمر واحد يشغل ذهني منذ قليل، حقيقة أن مفتاح غرفتي استطاع فتح ذلك الدرج المغلق .

… تماماً كما وجد مفتاح غرفتي درجاً يناسبه، ألا يمكن أن تكون هناك أشياء لا تُفتح إلا بمفاتيح الآخرين ؟

راودتني هذه الفكرة فجأة . حدقتُ بعينين خاويتين نحو النافذة حيث بدأت الشمس تشرق. وبالحديث عن ذلك، تذكرتُ تلك "النقطة الرمادية" الغريبة التي كانت تشير إلى غرفة الدراسة .

رمادي .

لون رمادي … كنتُ أظنه لوناً غريباً وغير مألوف، لكن لو فكرتُ ملياً، لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها هذا اللون على الخريطة .

إنه لون مفتاح ماكس، فقد كان يحمل بالتأكيد مفتاحاً رمادياً .

… هل كان هذا هو المعنى وراء إمكانية تبادل المفاتيح في "حدث التعاون" ؟

قبضتُ على اللحاف بقوة، فبدأ القماش الخشن يتجعد تحت يدي. وفي غضون ذلك، بدأ النهار يسطع .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان صباحاً لا يختلف عن المعتاد .

" صباح الخير."

ألقى سيزار، الذي كان جالساً في غرفة المعيشة، تحية خفيفة عليّ .

" … صباح الخير."

أومأتُ برأسي له رداً على التحية. باستثناء شعوري بالإرهاق، كانت بداية يوم لا تختلف كثيراً عن بقية الصباحات الماضية.

توجهتُ مباشرة إلى المطبخ لإعداد القهوة. لم أكن في حالة نفسية تسمح لي بتناول الإفطار، لذا حملتُ كوب القهوة وعدتُ فوراً إلى غرفة المعيشة.

في تلك اللحظة، صادفتُ لوكاس وهو يخرج من الرواق .

ابتسم لوكاس بلطف عندما رآني وقال: " آنسة فيفيان، مرحباً."

" مرحباً لوكاس."

" هل تناولتِ إفطاركِ ؟ "

سألني لوكاس وهو يوجه نظره نحو كوب القهوة .

" ليس بعد."

" شرب القهوة فقط في الصباح قد يؤذي معدتكِ."

لم أجد ما أرد به على كلماته، فاكتفيت بابتسامة مرتبكة. توقعتُ أن يتوجه لوكاس مباشرة إلى غرفة الطعام بعد ذكره للإفطار، لكنه وبشكل غير متوقع تبعني نحو غرفة المعيشة.

في غرفة المعيشة، كان لوجان يجلس على الأريكة بوضعية أقرب إلى الاستلقاء.

وبمجرد أن التقت عيناه بعيني، قال مبرراً: " أنا مستلقٍ هنا فقط لأن ذلك السرير اللعين سيئ للغاية."

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان