الفصل ٤٠ و ٤١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثامن - 24/10 (5)

أن يُطلب مني قول الحقيقة فقط، بينما لا أعلم أي نوع من الأسئلة سأواجه …

" أليس كذلك ؟ "

التقط ماكس جهاز كشف الكذب وكأنه كان يتوقع مني تلك الإجابة .

" لقد أتقنتُ التعامل مع هذا الشيء تماماً أثناء بقائي وحيداً في الطابق الثاني، كيڤن، هل يمكنك طرح أي سؤال عليّ ؟ لكن بشرط أن تكون الإجابة محددة بـ 'نعم' أو 'لا'."

عند سماع كلماته، غرق كيڤن في تفكير عميق لبرهة، وسرعان ما أشرق وجهه وكأنه عثر على سؤال مناسب.

" حسناً، سأسأل ! "

أمسك ماكس بجهاز كشف الكذب بإحكام، ثم ضغط على الزر الأزرق الموجود في المنتصف .

قرب كيڤن قبضته من فمه وكأنه يمسك ميكروفوناً، ثم قال: " سيدي، هل تناولت وجبة الإفطار ؟ "

ثم وجه قبضته فوراً نحو فم ماكس .

" بالطبع، لقد أكلتُ وجبة مشبعة."

ارتفع صوت "بيب بيب" المتقطع، ولم يمضِ وقت طويل حتى تلون الزر باللون الأخضر .

" الإجابة التي قدمتها للتو هي الحقيقة … "  قال ماكس وهو يبتسم .

" للعلم فقط، إذا كذبتِ سيتلون الزر باللون الأحمر، لذا ضعي ذلك في حسبانك."

نطقْتُ بكذبة أخرى لا تعبر عما في قلبي : " هذا مذهل حقاً … "

سألني إيان الواقف بجانبي : " … هل ستشاركيننا ؟ "

حاولتُ اصطناع تعبير يوحي بالأسف وقلت له: " يبدو الأمر ممتعًا، لكنني سأشارك في فرصة أخرى."

" أوه ؟ نونا، شاركي معنا ! "

للتوضيح : نونا، لقب يستخدمه الفتى لمناداة فتاة أكبر منه سنًا .

رغم أنني أجبتُ بصوت خافت جداً، إلا أن كيڤن سمعني بطريقة ما وركض نحوي بخطوات سريعة ممسكاً بيدي .

" اللعبة لن تكون ممتعة إلا إذا شارك الجميع."

أظهرتُ علامات الارتباك والضيق من كلمات كيڤن، لكنه اكتفى بالنظر إليّ بتلك النظرة البريئة التي تدعي الجهل بكل شيء .

" فيفي، لنفعلها معًا ! "

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، نادتني آرييل هي الأخرى لتشجيعي .

في تلك اللحظة، انحنى إيان نحوي وهمس في أذني بصوت خافت: " بخصوص أحداث الأمس أيضًا … أنا قلق على كيڤن، أعتقد أنه سيكون من الجيد أن نشارك جميعاً كنوع من تغيير الأجواء."

اشتدت قبضة كيڤن التي كانت تمسك بي. وفي النهاية، وجدتُ نفسي أُجرّ جراً بواسطته لأجلس قسراً على الأريكة، وتبعه إيان ليجلس بجانبي.

على يساري كيڤن، وعلى يميني إيان … في تلك اللحظة بالذات، شعرتُ أن اختيار المقاعد كان خاطئاً تماماً .

" حسنًا، سأشرح قواعد اللعبة بالتفصيل."

وضع ماكس جهاز كشف الكذب الذي كان يحمله على الطاولة وتابع حديثه: " سندور بعكس اتجاه عقارب الساعة، ويقوم كل شخص بطرح سؤال على الشخص الذي يليه، من يجيب بكذبة على السؤال الموجه إليه، يقع عليه اختيار إعداد الطعام لمدة أسبوع، ما رأيكم ؟ القواعد بسيطة، أليس كذلك ؟ "

" بسيطة بالفعل."

أنا، كيڤن، إيان، آرييل، وماكس. لقد كانت لعبة بدأت بمزيج غريب من الأشخاص. على أي حال، إذا كان الدور يدور بعكس اتجاه عقارب الساعة … فهذا يعني أن كيڤن هو من سيوجه السؤال إليّ، بينما سأملك أنا حق سؤال إيان .

همم … ما الذي يجب أن أسأله لإيان ؟

لم يخطر ببالي سؤال محدد. ليس الأمر وكأنه لا توجد أسئلة أود طرحها إطلاقاً، لكن لا يمكنني أن أسأله بوضوح : " لماذا مستوى ثقتك منخفض جدًا ؟ ".

بينما كنتُ غارقة في التفكير، بدأ ماكس بطرح السؤال على آرييل التي كانت تمسك بالجهاز : " هل هناك شخص تحبينه هنا، داخل هذا القصر ؟ "

" ماذا ؟ "

قفزت آرييل من مكانها وهي تجيب، بينما ارتسم على وجه ماكس ابتسامة خبيثة وهو يستحثها على الإجابة .

" يوجد، أليس كذلك ؟ "

ضغط ماكس على الزر الأزرق وكأنه لا يريد منح آرييل وقتاً للتفكير .‎

هتف آرييل بصوت مذعور تماماً، بينما صبغ الاحمرار وجهها بالكامل : " لا، لا يوجد ! "

(بيب، بيب).

سرعان ما تلون زر الطاقة باللون الأحمر، تماماً كلون وجهها في تلك اللحظة.

عند رؤية ذلك، بدأ ماكس بالضحك بهستيرية. بدا سعيدًا لأنه وجد فرصة للسخرية منها، ولم يتوقف عن الابتسام العريض .

" يا للهول، لم تبدُ الآنسة من النوع الذي يجيد الكذب هكذا."

رفعت آرييل صوتها بينما كان وجهها يبدو وكأنه على وشك الانفجار : " هذا احتيال ! "

" يا إلهي، تصفين صديقي بالمحتال ؟ إنه الشخص الوحيد الذي أصبح صديقاً لي في الطابق الثاني."

احتضن ماكس جهاز كشف الكذب وكأنه شيء ثمين للغاية، لكنه لم يلبث أن سأل آرييل بنبرة خبيثة: " إذن، من هو ؟ "

صرخت آرييل بأعلى صوتها : " قلتُ لك ليس هناك من أحبه ! "

" هل هو لوكاس ؟ أم ذاك المحقق ؟ أم ربما هذا الشاب ذو المظهر البريء ؟ "

عندما أشار ماكس نحو إيان، جفل الأخير بشكل ملحوظ .

" لا يوجد ! قلتُ لك لا يوجد ! لا أحد الآن، ولن يكون هناك أحد في المستقبل ! "

تحدثت آرييل بسرعة وهي تنتزع جهاز كشف الكذب من ماكس، ثم مررته إلى كيڤن. كان كيڤن يبدو متحمساً ومنتظراً لنوع السؤال الذي سيوجه إليه .

" ماذا تفعلون جميعًا ؟ "

في تلك اللحظة، خرج لوجان من المطبخ وكأنه سمع الضجيج، فاستغلت آرييل الفرصة بسرعة وقالت : " هل تود الانضمام إلينا ؟ "

" ما الأمر ؟ اشرحوا لي أولاً … "

ضحك ماكس ضحكة خفيفة وهو يستمع لحوارهما وقال : " آه، يبدو أن الشخص الذي تحبينه هو هذا الرجل، أليس كذلك ؟ "

عند سماع كلمات ماكس، صبغ الاحمرار وجه آرييل حتى فروة رأسها. وحده لوجان الذي لم يفهم ما يجري ظل واقفاً بتعبير يملؤه الذهول .

" نحن نلعب لعبة الصراحة ! "

ربت كيڤن على المقعد بجانبه داعياً لوجان للجلوس بسرعة. اقترب لوجان وجلس بتعبير متردد رغم فضوله . قدم ماكس شرحاً موجزاً لقواعد اللعبة للوجان، وبدا أن الأخير استمتع بالفكرة .

" سأشارك أيضاً، فأنا أجيد الكذب ببراعة."

بجلوس لوجان بين كيڤن و آرييل، أصبح من الطبيعي أن يتلقى السؤال من آرييل .

بدأت آرييل تحرك عينيها بهدوء وكأنها لا تملك سؤالاً جاهزاً للوجان، فهمس ماكس في أذنها بخبث: " اسأليه إن كان هناك من يحبه."

" هل هناك شخص تحبه … ؟ "

رددت آرييل كلمات ماكس دون تفكير، ثم استعادت وعيها ورمقت ماكس بنظرة حادة، أما لوجان، فقد حدق في آرييل بتعبير ينم عن الاستنكار الشديد .

" ما هذا السؤال الغريب والمقزز ؟ "

" هذا كله بسبب ذلك الرجل ! "

رغم تذمر آرييل، إلا أنها تابعت سؤالها: " هل هناك شخص تحبه داخل هذا القصر ؟ "

" أي نوع من الأسئلة اللعينة هذه … "

وكأن آرييل قررت الانتقام لنفسها مما حدث قبل قليل، ضغطت على الزر دون أن تمنح لوجان فرصة للتفكير .

" مهلاً ! "

صرخ لوجان معترضاً، لكن جهاز كشف الكذب كان قد بدأ بالفعل بإصدار صوت "بيب بيب" المتواصل .

" منطقياً، هل يعقل أن يكون هناك من أحبه هنا ؟! لا يوجد أحد ! "

بمجرد أن أجاب بتذمر، تغير لون زر الطاقة على الفور .

اللون الأخضر .

كان كلام لوجان حقيقة صادقة .

" طرحتم عليّ سؤالاً تافهاً لا يستحق حتى الإجابة … "

قال لوجان وهو يزمجر بلسانه مستنكراً، ثم مرر الجهاز الذي كان يمسكه إلى كيڤن .

راقب ماكس المشهد ونظر إلى لوجان بتعجب وكأن النتيجة كانت غير متوقعة بالنسبة له، لكنه سرعان ما ربت على كتف آرييل بهدوء، مما جعلها تقفز من مكانها وتسأل بذعر : " مـ … ماذا يعني هذا ؟ "

" إنه مواساة … مواساة لنهاية حب الآنسة قبل أن يبدأ … ؟ "

" هذا الرجل يتمادى حقاً منذ قليل ! أخبرتك أن الأمر ليس كذلك ! "

لكن ماكس لم يتوقف عن الضحك وكأن الموقف أضحكه حتى الموت.

وسط تلك الجلبة، ناداني لوجان : " يا أنتِ."

كان لوجان يبدو في ورطة، كان وجهه يقول إنه لا يملك أدنى فكرة عن السؤال الذي يجب طرحه على كيڤن، وكان يطلب مساعدتي بنظراته .

في تلك الأثناء، كان كيڤن يحدق في لوجان بتعبير يملؤه الحماس بانتظار السؤال، بينما كان لوجان يشعر بضغط شديد من نظرات الصغير لدرجة أنه لم يستطع حتى النظر في عينيه.

… في الحقيقة، حتى أنا لم يكن لدي سؤال لأطرحه على كيڤن .

مهما فكرت، كان وضعي لا يختلف كثيراً عن وضع لوجان . هززتُ كتفي بخفة دون أن أقدم إجابة مناسبة، فرفع لوجان حاجبيه وكأنه شعر بنوبة من الحنق المفاجئ .

" أليس لديكِ شيء ؟ "

لاحظ ماكس ارتباك لوجان فقال : " ليس أمامك حل سوى تقليد سؤال الشخص الذي قبلك."

لمس لوجان جبينه بيده وكأنه يعاني من صداع، ثم تمتم بصوت خافت: " أيها الصغير، هل هناك فتاة تحبها ؟ "

يا إلهي … ما خطب أسلوبه في الحديث … ؟

حتى أسلوب رجال العصابات وهم يبتزون الآخرين كان ليبدو ألطف من هذا.

ضغط لوجان على زر الطاقة بوجه محرج.

ولحسن الحظ، فإن كيڤن الذي أصبح مقرباً من لوجان لم يبدُ منزعجاً، بل اكتفى بابتسامة مشرقة: " نعم، توجد ! "

" ماذا ؟ أيها الصغير، كم عمرك ليكون لديك حبيبة من الآن … "

(بيب، بيب).

كان زر الطاقة باللون الأخضر .

" يا للهول … كيڤن، هل كبرت حقاً ؟ "

بعثر ماكس شعر كيڤن بعشوائية وكأنه يثني عليه، ورغم خشونة حركة ماكس، ظل كيڤن يبتسم بصفاء وكأنه في غاية السعادة.

كان كيڤن يبدو لطيفاً حقاً في تلك اللحظة، لدرجة أنني ضحكتُ دون أن أشعر .

" هل هي في مثل عمرك ؟ "

عند سماع سؤال لوجان، أجاب كيڤن بحزم رغم ابتسامته : " مسموح بسؤال واحد فقط لكل شخص."

" يا لك من طفل ضيق الأفق ! "

أطلق لوجان ضحكة ساخرة قصيرة، ثم سلمني كيڤن جهاز كشف الكذب، وبسبب تداوله بين أيدي الكثيرين، كانت حرارة الجهاز قد أصبحت مرتفعة بوضوح .

****************************

الفصل : ٤١

اليوم الثامن - 24/10 (6)

أطلق ماكس صفيرًا وهو ينظر حوله في غرفة المعيشة .

" يبدو أن الجميع هنا يعيشون أجواءً وردية، يا له من أمر جميل."

" … وأنت أيها العم، أليس لديك حبيبة ؟ "

عندما سألته آرييل، أجاب : " ليس لدي شيء من هذا القبيل."

" ولماذا ؟ "

" لأنه ببساطة … لا يوجد."

جالت آرييل بنظراتها يميناً ويساراً بعد سماع كلماته، ثم سألته بحذر : " ألم تكن لديك واحدة حتى في الماضي ؟ "

" لم تكن لدي، ولا توجد الآن، ولن تكون هناك في المستقبل."

كانت نبرته حازمة للغاية .

راقبتُ ماكس بهدوء ثم قلت: " يبدو أنك تحب أحاديث المواعدة كثيراً، لذا من الغريب بعض الشيء ألا تكون قد خضت تجربة كهذه أبداً."

جاء الرد من لوجان هذه المرة: " في العادة، أولئك الذين لا يملكون تجارب هم الأكثر ثرثرة حولها."

لوجان … كان مذهلاً بطريقة ما. جرأته في قول مثل هذا الكلام أمام الشخص المعني دون أدنى تردد هو حقاً أمر يثير الدهشة .

في تلك اللحظة، وجه لوجان سؤاله إليّ: " وأنتِ ؟ "

" ماذا ؟ "

أمال لوجان رأسه قليلاً وأضاف: " هل لديكِ حبيب ؟ "

" … لا، ليس لدي."

بعد سماع إجابتي، رمقني لوجان بنظرة فاحصة من رأسي حتى قدمي وتمتم : " هذا متوقع."

" …… ؟ "

نظرتُ إليه ظناً مني أنني لم أسمع جيداً، لكنه اكتفى بهز كتفيه بخفة وكأن شيئاً لم يكن .

أطلقتُ ضحكة ساخرة من شدة ذهولي : " الأمر ينطبق عليك أيضًا على أي حال."

بدا وجه لوجان وكأنه يسمع مثل هذا الكلام لأول مرة في حياته .

" أتدركين كم عدد النساء اللواتي يركضن خلفي ؟ "

" لقد قلتَ إنك بارع في الكذب، ويبدو أنك بارع فيه حقاً."

أطلق لوجان ضحكة ساخرة وكأن كلامي لم يعجبه على الإطلاق .

بينما كانت آرييل تستمع إلى حوارنا، نطقَت بصوت خافت: " أخبرتني عمتي أنه عند اختيار الرجل، يجب عليكِ بالتأكيد النظر إلى شخصيته أولاً، قالت إنه لا ينبغي الحكم عليه من مظهره فقط."

" بالفعل، الشخصية هي الأهم … "

سارعتُ بتأييد كلام آرييل، لكن لوجان عارضني بهدوء : " الشخصية ؟ وما أهمية ذلك ؟ يكفي أن يكون الوجه وسيماً."

بعد أن رد بهذا الكلام، ألقى لوجان بظهره على مسند الأريكة بارتياح و وجهه ينم عن اللامبالاة.

" أنا لا أنظر إلا إلى الوجه."

" وهل الوجه مهم إلى هذه الدرجة ؟ يكفي أن تكون العينان والأنف والفم في مكانها الطبيعي … "

توقفت آرييل عن إكمال جملتها وتلاشت كلماتها، ثم بدأت تسرق النظرات نحو ماكس بحذر .

انفجر ماكس ضاحكاً وقال: " تقصدين عيني المفقودة ؟ لا بأس، لا تشغلي بالكِ، لم تكن موجودة منذ زمن طويل على أي حال."

تمتم لوجان وهو ينظر إلى ماكس: " أين فقدت مقلة عينك تلك وأنت تتجول ؟ "

فزعتُ قليلاً من كلمات لوجان الفظة، لكن ماكس لم يبدُ عليه الانزعاج بشأن عينه المفقودة، تماماً كما قال قبل قليل .

" قبل دخولي إلى المستشفى، كانت حياتي خطيرة نوعاً ما."

حدق لوجان في ماكس بتمعن وسأله: " لدي فضول، هل يمكن للمرء أن يعمل في مستشفى بهذا الوجه التهديدي ؟ "

كان قلبي يخفق مع كل كلمة ينطق بها.

… حقاً، حتى لو طُلب مني طرح أسئلة كهذه، فلن أجرؤ أبداً .

أجاب ماكس بإيجاز لينهي فضوله: " لقد حدث ذلك."

بدى أن اهتمام لوجان قد انخفض، فقبض مابين حاجبيه .

وبينما كانوا يتحدثون، ناداني كيڤن بصوت منخفض : " نونا."

آه، تذكرتُ الآن، لقد كان دور كيڤن. أومأتُ برأسي إشارةً له ليبدأ بالسؤال .

ضيق كيڤن عينيه الكبيرتين اللتين تشبهان عيني الغزال وابتسم برقة، ثم سأل: " نونا، هل قتلتِ أحداً من قبل ؟ "

في تلك اللحظة، تحولت أجواء غرفة المعيشة الصاخبة إلى صمت مطبق وبارد .

تصلبت ملامح وجهي، وتجمدت الابتسامة الرقيقة التي كانت ترتسم على شفتيَّ .

" كـ … كيڤن ؟ "

نادته آرييل وهي عاجزة عن إخفاء ذهولها وارتباكها، لكن بؤبؤي عيني كيڤن كانا موجهين نحوي بوضوح تام .

وعلى عكسي تماماً، حيث كنتُ متجمدة في مكاني، ظل هو يبتسم بإشراق، ثم، وبكل هدوء وكأن شيئاً لم يكن، ضغط كيڤن على زر الطاقة.

لم أتجنب نظراته، بل فتحتُ فمي وتحدثتُ بهدوء وثبات : " مستحيل، بالطبع لا."

ولكن، على عكس وجهي الهادئ، كان قلبي يرتجف من شدة القلق والاضطراب.

(بيب، بيب).

بعد لحظات، تحوّل زرّ جهاز كشف الكذب إلى اللون الأخضر .

كانت كلماتي تشعّ بنور الحقيقة. في اللحظة التي رأيت فيها اللون الأخضر، استطعتُ أخيراً أن أتنفس الصعداء بالكاد. لم أتوقع أبداً أن يطرح كيڤن سؤالاً كهذا عليّ.

" … يا له من سؤال قاسٍ."

تمتم لوجان بتعبير ينم عن صدمته .

رد كيڤن عليه بهدوء وثبات: " لقد قلتَ إنه يجب علينا العثور على القاتل، أليس كذلك ؟ "

حدقتُ في كيڤن لبرهة، ثم سألته بحذر: " هل ترغب حقاً في القبض على القاتل إلى هذه الدرجة ؟ "

أومأ كيڤن برأسه صمتاً رداً على سؤالي. ربتُّ على رأسه بحنان، ثم مررتُ الجهاز إلى إيان.

ابتسمتُ له وكأن الأمر لا يعدو كونه دعابة بسيطة، وسألته: " ماذا عنك، سيد إيان ؟ "

" …… "

لم يظهر على وجهه أي علامة للاضطراب، بل ثبت نظراته نحوي مباشرة. كان هذا أفضل سؤال يمكنني طرحه عليه في ظل هذه الظروف .

ضغطتُ بحذر على زر الطاقة وأضفتُ: " بالطبع، أنا أؤمن أن شخصاً مثل السيد إيان لا يمكن أن يكون قد ارتكب جريمة قتل من قبل."

كان وجه إيان الذي يواجه عينيَّ عادياً وهادئاً كما هو دائماً. فقط عيناه اللتان كانتا تخترقانني هما ما بدا واضحاً بشكل صارخ .

شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي لبرهة بسبب البرود المنبعث من عينيه، وسرعان ما تردد صوته الرتيب الخالي من النبرات في أذني:

" نعم."

في تلك اللحظة، قطبتُ ما بين حاجبيَّ ظناً مني أنني لم أسمع جيداً .

أخفض إيان نظره، ثم كرر كلماته وكأنه يهمس لنفسه بتمتمة خافتة .

" لقد قمتُ بالقتل من قبل."

(بيب، بيب).

تعالى صوت الجهاز وكأنه يستجيب لاعترافه الصريح . وسرعان ما اصطبغ لون الجهاز باللون الأخضر .

… كان كلامه حقيقة صادقة .

لم أعلم ماذا عساي أن أقول، فاكتفيتُ بعضّ باطن شفتي الرقيق بتوتر. وبدا أن الآخرين كانوا يمرون بذات الحالة من الذهول .

وسط تلك الأجواء التي أصبحت هشّة كطبقة رقيقة من الجليد، كان لوجان هو أول من كسر حاجز الصمت .

" هل أنتَ مجنون حقاً ؟ "

كانت هذه المرة الأولى التي أتفق فيها مع كلام لوجان تماماً.

مسح لوجان وجهه بخشونة ثم سأله بنبرة شرسة: " من أنت ؟ ومن قتلتَ تحديداً ؟ العجوز ؟ أم الضحية المجهولة التي قيل إنها قُتلت داخل القصر ؟ "

رمش إيان بعينيه ببطء. وسط تلك الأجواء الكئيبة والقارصة، كان إيان وحده المحتفظ بهدوئه، كانت زوايا فمه ثابتة بدقة مثالية وكأنها رُسمت بمسطرة .

" جريمة قتلي الأولى لا علاقة لها بجرائم القتل التي وقعت داخل القصر، ومع ذلك، هل يجب عليّ الإفصاح عنها ؟ "

" سيكون من الأفضل أن تتحدث إذا كنت ترغب في تبديد الشكوك حولك … " قال ماكس وهو يلمس زوايا فمه المتصلبة بيده .

تنهد إيان بصوت خافت ثم فتح فمه للحديث : " الضحية كان والدي، لقد وقعت الحادثة منذ خمسة عشر عاماً، وتم اعتبارها قضية دفاع عن النفس."

خمسة عشر عامًا … هذا يعني أن إيان كان في العاشرة من عمره حينها .

بملامح عادية وهادئة نسبياً، مرر إيان جهاز كشف الكذب الذي كان يمسكه إلى ماكس .

" … ماذا سنفعل ؟ هل نواصل اللعبة ؟ "

بدأ بؤبؤا عيني ماكس بالاهتزاز من شدة الارتباك وهو يتسلم الجهاز بشكل لا إرادي، لكنه سرعان ما هز رأسه يميناً ويساراً بتعبير ينم عن الرفض: " فلنتوقف هنا."

كانت آرييل هي الوحيدة التي ظل وجهها مصطبغًا باللون الأحمر، تماماً كلون زر الطاقة قبل إغلاقه .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

انتهت اللعبة، لكن الأجواء ظلت متجمدة كما هي.

اقترب مني لوجان وأنا أشرب الماء في غرفة الطعام، وكان وجهه ينم عن شعور بالضيق وعدم الارتياح .

سألني لوجان : " … ألا يبدو لكِ هو الآخر مختلاً تمامًا ؟ "

وعلى الرغم من غياب الفاعل في جملته، إلا أنه كان من السهل إدراك من يقصد .

لم أستطع الإجابة على كلماته، فاكتفيت بشرب الماء.

تمتم لوجان وهو يحدق باتجاه غرفة المعيشة : " ذلك الوغد ألبرتو، لقد برع حقاً في جلب المجانين فقط."

" … وهل أنا مشمولة ضمن قائمة هؤلاء 'المجانين' ؟ "

" بالطبع."

أطلقتُ ضحكة ساخرة قصيرة بعد سماع رده، ثم ضيقت عينيّ قائلة: " ألا ينطبق الأمر عليك أيضًا إذن ؟ "

" بالتأكيد يجب استثنائي أنا."

كان لوجان وقحاً للغاية ولا مبالياً.

تنهدتُ في سري، وظللتُ أعبث بالكوب الذي في يدي بصمت، قبل أن أبدأ الحديث بحذر: " على أي حال، هناك شيء أود سؤالك عنه."

" هاه ؟ "

" عن هيلين … أعني، أختي."

اتسعت عينا لوجان عند سماع اسم أختي. وضعتُ الكوب الذي كنت أحمله على الطاولة.

" هل يمكنني أن أسألك لماذا ذهبت هيلين للبحث عنك ؟ "

تذمر لوجان قائلاً : " أنتما الأختان لا تسألان إلا عن الأمور التي تسبب المتاعب."

وتابع : " السرية التامة هي أساس عملنا، لا يمكنني إخباركِ حتى لو كنتِ من عائلتها."

" …… "

" ثم، ماذا كنتِ تفعلين طوال هذا الوقت لتأتي الآن فقط وتحاولين التقصي عن أختكِ ؟ انسي الأمر، إذا كنتِ فضولية إلى هذه الدرجة، فاسألي أختكِ مباشرة عندما تعودين للمنزل."

… هذه مشكلة، فقد كان سؤال هيلين عن لوجان أمراً مستحيلاً .

ترددتُ قليلاً وحاولتُ فتح فمي بصعوبة: " في الحقيقة … "

لكنني توقفتُ فجأة عند سماع صوت لوجان وهو يتابع: " لأن التورط معي يعني تدمير الحياة تماماً."

قال لوجان ذلك وهو يضحك بسخرية : " لقد قالت أختكِ ذلك، قالت إن حياتها تدمرت بالفعل، وطلبت مني أن أنقذها."

" …… "

" … لكن أنقذها ؟ يا إلهي … سيكون من الجيد إن لم تسوء الأمور أكثر."

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان