الفصل ٣٨ و ٣٩ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الثامن - 10/24 (3)

ألقيت نظرة خاطفة على آرييل بحذر، ثم سألتها بصوتٍ منخفض : " هل تفقدتِ الطابق الثاني أمس ؟ "

" لم يكن لديّ طاقة لذلك … عدتُ إلى غرفتي مباشرة."

" وماذا عن الآخرين ؟ "

" همم … لا أعلم، لا أعلم ما فعله الآخرون."

فتحت الخريطة، ثم بدأت أصعد نحو الطابق الثاني. وبدا أن آرييل تنوي تفقده أيضًا، إذ تبعتني بصمت من الخلف .

" …… "

كان تصميم الطابق الثاني أبسط من الطابق الأول .

تقع غرفتان في طرفي ممر أفقي طويل. ومثل الدرج الذي يربط الطابقين الأول والثاني، يقع الدرج المؤدي إلى الطابق الثالث في منتصف الممر تمامًا .

مقارنة بالطابق الأول، بدا التصميم بسيطًا إلى حدٍّ كبير .

تجولت بنظري ببطء عبر ممر الطابق الثاني، ثم لاحظت فتحة تهوية كبيرة في السقف . كانت كبيرة بما يكفي لمرور شخصٍ من خلالها.

" هل نبدأ بالغرفة التي على اليسار ؟ "

في تلك الأثناء، اقترحت آرييل بهدوء بعدما لحقت بي. أومأت برأسي موافقة، ثم اتجهت نحو الممر الأيسر .

كانت الغرفتان المتقابلتان أمامنا لهما بابين خشبيين مزخرفين بنقوشٍ عتيقة .

وعلى اللوحتين الخشبيتين المثبتتين عليهما كُتب : «المكتبة» و «غرفة الدراسة».

فتحت الخريطة مرة أخرى .

ولحسن الحظ، لم تظهر أي علامات للفخاخ في الطابق الثاني، بل كانت هناك نقاط زرقاء فقط .

لم تكن هناك علامة مميزة في غرفة الدراسة، لكن تجمع النقاط الزرقاء داخل المكتبة أوحى بأن الأدلة موجود هناك . لذلك بدأت أولاً بالغرفة الأقرب، غرفة الدراسة، وأدرت مقبض الباب .

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، ظهرت نقطة رمادية على الخريطة .

… ما هذا ؟

كان هذا لونًا لم أره من قبل .

وقد أثار ذلك حيرتي، فسارعت إلى قراءة شرح الخريطة مرة أخرى، لكن الخريطة ما زالت لا توضح سوى العلامات الزرقاء والحمراء .

… إن كانت هذه علامة جديدة، فمن المفترض أن يكون لها تفسير أيضًا .

عبستُ قليلاً، ثم أدرت مقبض باب غرفة الدراسة .

… لكن الباب كان مقفلاً .

عقدت حاجبيّ، بينما أطلقت آرييل من جانبي زفرة خفيفة، ثم اتجهت مباشرة نحو المكتبة.

أدارت مقبض الباب هناك، ثم تنهدت قائلة: " المكتبة أيضًا مقفلة."

عبست قليلاً، ثم استدارت لتنظر إليّ : " يبدو أننا سنضطر لتفقد أماكن أخرى أولاً."

" … حسنًا."

كانت النقطة الرمادية تقلقني . وبينما كنت غارقة في أفكاري، توجهت نحو الغرف الواقعة في الجهة اليمنى .

وكما في الجهة اليسرى، كانت الغرفتان هنا متقابلتين أيضًا .

إحداهما قاعة الطعام، والأخرى غرفة التدبير. وكانت نقطة زرقاء تظهر في كل غرفة منهما .

مددت يدي وأدرت مقبض باب غرفة التدبير، ولحسن الحظ، كان الباب مفتوحًا .

وفي اللحظة التي دخلنا فيها، امتلأ أنفي برائحةٍ غير مستحبة على الإطلاق .

تجولت آرييل بنظرها داخل الغرفة، ثم تمتمت بهدوء: " يبدو أن الرجل الذي كان في الطابق الثاني كان يعيش هنا."

على الطاولة الطويلة في منتصف الغرفة كانت هناك بقايا طعامٍ متروكة، لكن حالتها لم تكن جيدة على الإطلاق . فقد بدا عليها العفن، كما لو أن الغبار تراكم فوقها، إذ غطتها طبقة كثيفة من الفطريات .

وهنا فقط فهمت سبب اندفاع ماكس إلى الطعام بتلك الشراهة عندما نزل إلى الطابق الأول .

" …… "

وعلى الجدار الأيمن من الغرفة، كانت دمى عرض الملابس مصطفّة .‎

دمى بلا رؤوس، ترتدي الثياب فحسب، ومنظرها … كان باعثًا على شعورٍ غريب بالكآبة.

" لو جئت إلى هنا ليلاً … فسيكون الأمر مخيفًا حقًا."

تمتمت آرييل بذلك وهي تعبث بملابس إحدى دمى العرض بعدما اقتربت منها دون أن أشعر .

فقلت لها: " آرييل، انتبهي ليديك."

" آه، شكرًا."

تركت آرييل الملابس الذي كانت تمسكه.

كانت دبابيس صدئة مغروسة في أماكن مختلفة من الملابس التي على الدمى، لذلك بقيت آثارها واضحة على القماش الأبيض. وقد اصفرّت بعض المواضع من الملابس، فبدت المناظر غير مريحة للنظر .

" لكن … لماذا وضعوا خزانة الأدراج خلف الدمى ؟ سيكون استخدامها مزعجًا جدًا."

تمتمت آرييل وهي تتفحص خزانة الأدراج خلف الدمى . وللتوضيح، كانت النقطة الزرقاء على الخريطة تشير تحديدًا إلى تلك الأدراج المصطفة خلف الدمى .

وبالتحديد … الدرج الثالث.

هذا مقلق قليلاً … بما أن ماكس كان يعيش هنا، فمن المحتمل جدًا أنه عثر على الدليل قبلي .

كنت أتفحص غرفة التدبير ببطء، حين التفتُّ إلى آرييل بعدما سمعت صوتها.

" لنذهب ونرى قاعة الطعام أيضًا."

فاتجهنا، كما قالت، نحو قاعة الطعام. وكان بابها مفتوحًا هي الأخرى .

وكما في غرفة التدبير، بدا أن هذه الغرفة أيضًا كانت مساحة يستخدمها ماكس .

فوق الطاولة الكبيرة كان هناك كتاب يبدو أنه استُخدم كوسادة، وبجانبه بطانية رقيقة .

تمتمت آرييل وهي تنظر إلى الطاولة: " يبدو أنه كان يستخدم هذا المكان كسرير."

ربما استخدم ماكس غرفة التدبير كقاعة طعام، وقاعة الطعام كغرفة نوم .

كانت الظروف هنا أسوأ بكثير مما في الطابق الأول. كنت أتوقع بعض الفارق … لكنني لم أتخيل أن يكون بهذا السوء .

تنهدت في داخلي، ثم فتحت الخريطة مجددًا.

كانت النقطة الزرقاء تشير هذه المرة إلى درجٍ صغير تحت الطاولة . ولو أن ماكس عاش في هذه الغرفة أيضًا، فمن شبه المؤكد أنه جمع هذا الدليل بالفعل .

فأنا، بوصفي اللاعبة، لا أستطيع فتح الأبواب المقفلة إلا بمفتاح أو أداة … لكن وضع ماكس مختلف عني .

اقتربت من الطاولة بحذر. وبدا الدرج، للوهلة الأولى، وكأنه لم يُفتح من قبل.

بالطبع، لن أستطيع التأكد إلا بعد أن أفتحه.

على أحد جدران قاعة الطعام كانت هناك ألواح خشبية ملطخة تستند إلى الحائط، بدا وكأن شيئًا ما قد قُلِبَ رأسًا على عقب .

ألقيت عليها نظرة خاطفة، ثم تبعت آرييل التي كانت تتجه نحو خزانة الأدراج الكبيرة .

ومع صوت انزلاق خافت، فتحت آرييل أحد الأدراج. تركتُ الطاولة واقتربت منها. داخل الدرج الأول كان هناك شيء ذو مظهر غريب إلى حدٍّ ما.

… ما هذا ؟

كان يشبه هاتفًا لاسلكيًا، وفي الوقت نفسه بدا - إن نظر إليه المرء بسرعة - كأنه مكواة صغيرة .

آرييل أيضًا بدت وكأنها تراه للمرة الأولى، إذ عقدت حاجبيها قليلاً في حيرة . التقطتُ الشيء الغامض بيدي. كان أخف وزنًا مما يبدو عليه.

وبينما أقلبه بين أصابعي سألتها: " تعرفين ما هذا ؟ "

" لا أعلم … "

أجابت آرييل بصوت متردد، ثم حكّت خدها بخجل طفيف .

" ربما سيعرف الآخرون ؟ "

وضعتُ الشيء في حوزتي أولاً. عندها اقترحت آرييل بهدوء : " إذًا … هل ننزل إلى الطابق الأول الآن ؟ "

لكن فكرة النزول إلى الطابق الأول الآن جعلتني أشعر بشيء من التردد، فما زالت هناك أدلة في الطابق الثاني لم نجمعها بعد .

كنت على وشك أن أقول لآرييل أن تسبقني بالنزول .

وفجأة …

" نونا ! "

دوّى صوت كيڤن . استدرتُ إلى الخلف، فرأيت كيڤن يبتسم ابتسامة عريضة. وخلفه مباشرة ظهر ماكس وهو يدخل قاعة الطعام .

… كان مزيجًا غير متوقع.

لوّح ماكس بيده لنا تحية خفيفة، فرددتُ التحية بإيماءة من رأسي، أما آرييل فتقدمت نحو كيڤن، محاولة أن ترسم ابتسامة .

" جئتَ لتفقد الطابق الثاني ؟ "

سألته بصوت لطيف. هزّ كيڤن رأسه وهو يبتسم ابتسامة بريئة .

بدت آرييل وكأنها تجد منظره لطيفًا، فمدّت يدها وربتت على رأسه. عندها وقع نظر ماكس على الشيء الذي أحمله.

شعرت بنظرته، فرفعتُ الغرض قليلاً وسألته: " سيد ماكس، هل تعرف ما هذا ؟ "

" آه، هذا ؟ مجرد لعبة كنت أعبث بها عندما كنت أعيش في الطابق الثاني."

" … لعبة ؟ "

أجاب ماكس بنبرة خفيفة : " إنه كاشف كذب، لكن بصراحة، لا يكون ممتعًا عندما تلعب به وحدك."

اتسعت عينا كيڤن فجأة بدهشة : " كاشف كذب ؟ ما هذا ؟ "

" جهاز يميز ما إذا كان كلام الشخص الآخر كذبًا أم لا."

عبستُ دون أن أشعر .

… كاشف كذب ؟

" كنت في الواقع قادمًا لأخذه، لذا جئت في الوقت المناسب."

ثم اكمل ماكس مبتسمًا بثقة : " لنجرّبه على الآخرين أيضًا."

شعرت بإحساسٍ غامضٍ من النذير السيئ، لكنني اكتفيت بهزّ رأسي بهدوء .

" آه، بالمناسبة يا عمّ ! "

في تلك اللحظة نادى كيڤن ماكس. تساءلت إن كان هناك أمر ما، لكن نظرة كيڤن، التي كانت موجهة إلى ماكس طوال الوقت، تحولت فجأة نحوي أنا و آرييل.

كانت نظرة توحي وكأنه يريد أن يقول شيئًا مهمًا على انفراد مع ماكس . ومن دون كلمات، بدا وكأنه يطلب منا - أنا وآرييل اللتين أصبحنا عائقًا دون قصد - أن نغادر .

كنت فضولية لمعرفة ما الذي سيتحدثان عنه، لكن آرييل جذبتني برفق من ذراعي، فاضطررت إلى التحرك معها . ومع ذلك، طوال الطريق إلى الخارج، لم أستطع منع نفسي من إبقاء انتباهي عليهما.

لكن في تلك اللحظة … شعرت أن جيبي أصبح أخف.

… مستحيل !

اجتاحني شعور سيئ، فخفضت بصري بسرعة نحو الأرض .

وهناك … كان ذلك العين يتدحرج على الأرض وهو يتقلب .

في تلك اللحظة، شعرت وكأن أنفاسي قد توقفت .

****************************

الفصل : ٣٩

اليوم الثامن - 24/10 (4)

هل … هل رآه أحد ؟

نظرتُ حولي بسرعة وبحذر، ولحسن الحظ بدا أنه لم يلمحه أحد .

وبينما كنتُ أبتلع ريقي بتوتر، كانت مقلة العين التي تدحرجت بسلام خلف ساق المكتب تراقبني .

ورغم أنني أومأتُ لها بعيني لكي تأتي إلى هنا بسرعة، إلا أنها لم تكن تنوي المجيء إليّ، بل اكتفت بغمزة بسيطة … وكأنها تقول لي: "ثقي بي فقط".

آه، ربما … حينها فقط أدركتُ نية مقلة العين واتسعت عيناي بذهول .

بعد فترة وجيزة، تبعت آرييل إلى الخارج بتردد، وسمعت صوت باب غرفة الطعام يُغلق .

بحملقة فارغة في الهواء، رمشتُ بعيني .

' حسنًا، في الواقع … أليس هذا الحب القادم من عين ملطخة بالدماء أفضل بكثير مما كنت أظن ؟ '

خطرت لي هذه الفكرة فجأة .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

عندما نزلتُ إلى الطابق الأول مع آرييل، رأيتُ الأشخاص الذين استيقظوا في هذه الأثناء .

" ما هذا ؟ "

سأل لوجان وهو يومئ برأسه نحو جهاز كشف الكذب عندما رآني أنزل من الطابق الثاني .

" قالوا إنه أداة تكشف الأكاذيب."

" هناك شيء كهذا ؟ لقد تطور العالم حقاً."

أبدى لوجان اهتماماً كبيراً بجهاز كشف الكذب .

" إذن، يمكننا استخدامه لمعرفة من قتل جاك، أليس كذلك ؟ "

" ربما … ؟ "

بما أن جهاز كشف الكذب ليس أداة دقيقة تماماً، لم يكن بإمكاني الوثوق به كليًا .

أجبتُ بصوت متردد وتوجهتُ إلى غرفة المعيشة، ثم وضعت الجهاز بحذر على الطاولة وسألت لوجان : " أين سيزار ؟ "

" لا أعلم."

" …… "

ألم يستيقظ بعد ؟

توجهتُ نحو الممر الغربي. كنتُ أريد أن أسأل سيزار عن حادثة الأمس، وبينما كنتُ أسير باتجاه غرفته، اكتشفتُ شيئاً ما.

[ ماكس ]

كان هناك بطاقة اسم معلقة على الباب الذي كان فارغاً بجانب غرفة إيان .

كما توقعت … يبدو أن الغرف الفارغة كانت مخصصة بالفعل لشخصيات ستظهر لاحقاً .

طرقتُ باب غرفة سيزار بحذر .

— طق، طق .

لكن لم يأتِ أي رد من الداخل .

… ما الأمر ؟

من المستحيل أن يتأخر سيزار في النوم. فهو من النوع الذي ينام ويستيقظ في وقت مُحدد .

طرقتُ بابه مرة أخرى وناديتُ باسمه .

" سيزار ؟ "

لم يأتِ أي رد، تماماً كما في المرة السابقة. شعرتُ بقلق غريب يتسلل إليّ، فطرقتُ بابه مرة أخرى، لكن الغرفة كانت غارقة في صمت مطبق .

" …… "

شعرتُ وكأن كوابيس الأمس تعود للحياة من جديد. تملكني الخوف فجأة، فأمسكتُ بمقبض الباب وأدرته بسرعة، لكن في تلك اللحظة، فُتح الباب من الداخل في آن واحد .

" … ماذا هناك ؟ "

عندما رأيت وجه سيزار بوضوح أمامي، استطعتُ أخيراً أن أتنفس الصعداء، لكن راحة بالي لم تدم طويلاً، إذ شعرتُ بنوبة من الاستياء المفاجئ .

" كان عليك الرد طالما أنك في الغرفة ! "

" … أنا آسف."

بدا سيزار متفاجئًا قليلاً من كلامي، وأجاب بتعبير ينم عن الحيرة، على غير عادته .

هل كان صوتي مرتفعاً جداً ؟ شعرتُ بقليل من الإحراج .

" … هل استيقظت للتو ؟ "

" ليس تمامًا."

كان يبدو مسترخيًا بشكل غريب اليوم. بدت ملامح التعب واضحة تماماً حول عينيه، وكأنه لم ينم جيداً .

" … هل حدث شيء ما ؟ "

سأل سيزار بحذر، وكأنه محتار من مجيئي للبحث عنه .

" الأحداث تقع دائمًا."

استقرت نظرات سيزار على وجهي، ثم سحب مقبض الباب الذي كان يمسكه ليفتحه أكثر .

" تفضلي بالدخول."

تنحى سيزار جانبًا ليفسح لي المجال .

" … إذن، اعذرني على الإزعاج للحظة."

ابتسم سيزار ابتسامة ساخرة لكلماتي .

" لا داعي للاعتذار."

دخلتُ غرفته بحذر. كانت الغرفة تفوح برائحة ظهيرة هادئة .

" هل فتشتَ الطابق الثاني ؟ "

" باستثناء الغرف المغلقة."

جلس سيزار على طرف السرير. تطاير شعره الذهبي تحت أشعة الشمس المتسللة من النافذة. أزاح سيزار شعره المنسدل إلى الخلف وفتح فمه للحديث : " … يبدو أن لديكِ ما تودين قوله."

حجبت السحب المارة ببطء ضوء الشمس، فأظلمت الغرفة للحظات .

كنتُ أريد أن أسأله عن هوية القاتل الذي قتل جاك، وعن الحيلة التي استخدمها لقتله، لكن، لسبب ما، لم تخرج الكلمات من فمي فجأة. شعرتُ وكأن صخرة ضخمة تضغط عليّ .

بدا صمتي غريباً بالنسبة لسيزار، فاتجهت نظراته نحوي مباشرة. وبسبب نظرته الثقيلة التي كانت تراقبني بإصرار، أصبح من الأصعب عليّ الكلام .

بالكاد استطعتُ فتح شفتي لأقول : " … كنت أتساءل، ماذا سيحدث لنا في المستقبل ؟ "

حتى السؤال الذي انتزعتهُ من بين شفتيَّ بالكاد كان مثيراً للشفقة .

تنهد سيزار بصوت خافت وهو يحدق بي بجمود .

" من يعلم."

أجاب بإجابة غامضة ومبهمة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة.

" أولاً، علينا حل قضية القتل في القصر."

كان محقاً، فمن الطبيعي صبّ كل التركيز على قضية تتعلق فيها حياتنا بالخطر .

أومأتُ برأسي في صمت، بينما استمر سيزار في مراقبتي بذات النظرات. شعرتُ بعبء ثقيل تحت وطأة عينيه، فأزحتُ بصري عنه خلسة .

ومع ذلك، لم تتوقف عيناه عن مطاردتي .

في النهاية، أدرتُ رأسي مجدداً لأواجه عينيه، كانت نظراته التي يصعب تفسيرها تستقر على وجهي .

" لـ … لماذا تنظر إليّ هكذا ؟ "

بسبب ارتباكي، خرج صوتي مهتزاً وغير منتظم. وبدا أن سؤالي غبياً بعض الشيء في أذنيه، إذ ضحك سيزار بخفة .

ربما بفضل صوت ضحكته تلك، شعرتُ بجسدي المتصلب من التوتر يسترخي قليلاً. حينها فقط، تمكنتُ من فتح موضوع جاك.

" … بخصوص القاتل الذي قتل جاك، هل لديك شخص تشك به ؟ "

" … كان لدي."

قالها بصيغة الماضي .

" لقد ظننتُ أن الشخص الذي دفعكِ من الخلف، هو نفسه القاتل الذي تخلص من جاك."

اتسعت عيناي ببطء وأنا أنظر إليه .

" واعتقدتُ أن وضع زجاجة السم في غرفتكِ كان عملاً قام به شخص يحمل ضغينة تجاهكِ."

" … هذا منطقي فعلاً."

" لكن لا يبدو أن القاتل يحمل ضغينة ضدكِ حقاً."

" …… "

" لأن كل الأدلة التي كانت تهدف لجعلكِ أنتِ الجانية كانت واهية للغاية."

كان محقاً في ذلك، فرغم العثور على دليل حاسم في غرفتي، إلا أنه كان دليلاً ضعيفاً جداً لدرجة لا تكفي للجزم بأنني من قتلتُ جاك .

تحدث سيزار بصوت منخفض: " بسبب زجاجة السم تلك، تلاشت تمامًا فكرة أنكِ قد تكونين المجرمة في ذهني."

رمشتُ بعيني ببطء. لم أستطع قراءة الأفكار الكامنة داخل عينيه اللتين كنت أواجههما .

" …… "

شعرتُ وكأن عقلي قد أصيب بالخدر، كما لو كنتُ غارقة في أعماق البحر .

" فيفيان."

بعد برهة، نطق سيزار اسمي بهدوء .

" من بين الأشخاص الموجودين في القصر، ألم يكن هناك أحد تعرفينه من قبل ؟ "

أومأتُ برأسي ببطء ردًا على سؤاله .

" … هل أنتِ متأكدة ؟ "

أجبتُ بصوت خافت : " نعم."

حدق سيزار في عيني بتمعن لفترة، ثم أزاح نظره عني أخيراً .

… هل يشك بي ؟

حتى لو أشار سيزار إليّ كجانية، فلن يكون لدي ما أقوله للدفاع عن نفسي .

كل ما أتمناه هو … أن تُكشف الحقيقة بخصوص هيلين فقط، قبل أن يصل هو إلى الحقيقة الكاملة لكل شيء .

كان هذا هو الاستنتاج الذي توصلتُ إليه .

بمجرد أن فكرتُ في الأمر، شعرتُ وكأن عقلي الذي كان غارقاً في الكآبة والارتباك قد بدأ يتنفس الصعداء .

لم تكن لدي نية للتضحية بكل هؤلاء الأشخاص. فحتى لو تمكنتُ من مغادرة القصر بهذه الطريقة، لم تكن هناك نهاية سعيدة تنتظرني في الأصل .

كنتُ أعرف نفسي جيدًا. لم أكن بتلك الفطنة، لم أكن مثل فيفيان التي استطاعت إخفاء قتل ديريك بشكل كامل .

كان من المستحيل تماماً ألا يُكشف أمري كجانية بحلول يوم التصويت الثالث . وحتى لو قمتُ بإحراق كل الأدلة الموجودة داخل القصر، فلن يكون بمقدوري طمس الحقيقة بأكملها .

" وماذا عنك ؟ "

… فقط حتى أعلم عما حدث لهيلين .

" أنا أيضًا، تمامًا مثلكِ."

هذا كل ما أردته، أن أصمد حتى تلك اللحظة فقط.

وفي هذه الأثناء، تسللت خيوط الشمس التي كانت محجوبة خلف الغيوم لتعيد إضاءة الغرفة بسطوع من جديد .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" آنسة لوبيز."

بمجرد توجهي إلى غرفة المعيشة، كان إيان هو أول من استقبلني . ومع كلماته، تجمعت نظرات كل الموجودين في الغرفة عليّ في آن واحد .

كان جهاز كشف الكذب الذي تركتهُ على الطاولة قبل قليل لا يزال هناك .

ابتسم ماكس وهو يعرض عليّ اقتراحاً بنبرة غير مباشرة : " بما أنه لا يوجد ما نفعله هنا، ما رأيكِ في جولة من اللعب ؟ "

" لعبة ؟ "

سألتُ بصوت يملؤه الارتباك، فأومأ ماكس برأسه قائلاً : " من يفشل في الإجابة بصدق على سؤال الشخص الذي بجانبه، يتولى مسؤولية إعداد الطعام للجميع لمدة أسبوع كامل."

وأضاف إيان موضحاً كلمات ماكس: " إنها لعبة تتطلب منكِ قول الحقيقة فقط، بغض النظر عن طبيعة السؤال الذي سيُطرح عليكِ."

" … يبدو الأمر ممتعاً."

تلفظتُ بهذه الكلمات رغم أنها لم تكن تمثل ما في قلبي حقاً.

ممتعة ؟ أي متعة في لعبة لا تشي إلا بالنذير والشؤم !

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان