الفصل ٢٤ و ٢٥ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم السابع - 10/23 (2)

" أختي ! "

ما إن دخلتُ قاعة الطعام حتى لمحني كيڤن، فنهض من مكانه وركض نحوي ركضًا صغيرًا متلاحق الخطوات، ثم ارتمى في حضني .

رفع رأسه قليلاً وسألني : " هل أنتِ بخير ؟ "

" بالطبع أنا بخير."

ربّتُّ على رأس كيڤن بلطف .

" فيفي ! "

كما لاحظتني آرييل أيضًا، فقفزت من مقعدها وبدأت تتكلم على عجل : " اجلسي أولاً، سأُحضّر لك الطعام بسرعة ! "

كان المكان ممتلئًا برائحة شهية. أسرعت آرييل إلى القدر الكبير وغرفت منه حساء الذرة بسخاء، ثم قدّمته مع خبز يتصاعد منه البخار .

هممتُ بأن أحضر الملعقة بنفسي، لكن يد سيزار التي ضغطت برفق على كتفي جعلتني أجلس صامتة .

بدلاً من ذلك، رفعتُ بصري إليه وتكلمت : " أنا بخير حقًا."

" نعم، بالطبع ستكونين بخير."

إنه شخص يعرفني حقًا …

" أنتِ دائمًا تقولين إنك بخير."

كنت على وشك الاعتراض، لكنني أطبقت فمي دون أن أنطق بشيء .

" أختي، أحضرتُ الملعقة ! "

اقترب كيڤن في تلك الأثناء ومدّ لي الملعقة. شكرته وأخذت أول ملعقة من الحساء .

" …… ! "

كان الطعام، بعد غياب طويل، لذيذًا على نحوٍ لا يُصدّق. ومع ازدياد سرعة الملاعق، ارتسمت على وجه آرييل ابتسامة فخر .

وحين بدأ قاع الوعاء يظهر، سألتني آرييل بحذر : " هل تريدين المزيد ؟ "

أومأتُ برأسي بخفة، فابتسمت بسعادة وحملت الوعاء .

في تلك اللحظة، دخل لوجان قاعة الطعام. كان الإرهاق واضحًا على وجهه، وما إن رآني حتى اتسعت عيناه ببطء .

تنحنحتُ بخفة وتكلمت بهدوء : " شكرًا لاعتنائك بي، بفضلك تحسّنت حالتي كثيرًا."

كنت أتمنى لو كان البقية هنا أيضًا، لكن لا أثر لهم في القاعة .

" من الجيد أنكِ أصبحتِ أفضل."

قالت آرييل ذلك وهي تضع الوعاء أمامي. أما لوجان، فتجاهل كلامي تمامًا، وأخرج زجاجة ماء من الثلاجة وشربها دفعة واحدة .

جلست آرييل أمامي وسألتني بصوت حذر : " لكن يا فيفي … هل رأيتِ كابوسًا ؟ "

" هاه ؟ "

" عيناكِ منتفختان … وحتى صوتكِ مبحوح."

قالت ذلك وهي تشير إلى محيط عينيها بإصبعها، وقلقها واضح في نبرتها .

وفي تلك اللحظة ……

" بفف ! "

لوجان، الذي كان يشرب الماء، بصقه فجأة .

لم أملك سوى أن أُصاب بالذهول لوهلة، قبل أن تتلاقى عيناي بعينيه وهو يسعل بعنف. كان وجهه محمرًّا بشدّة وهو يكحّ، في مشهد بدا غريبًا على نحوٍ غير مألوف .

حدّقتُ فيه بعينين نصف مغمضتين، ثم تعمّدتُ أن أصرف نظري عنه، وحرّكتُ الملعقة التي في يدي من جديد .

" لا أذكر شيئًا، أظن أن عينيّ انتفختا فقط لأنني نمت كثيرًا."

تحدّثت وكأن الأمر لا يستحق الذكر .

" صحيح، لقد نمتِ ثلاثة أيام كاملة."

تمتم لوجان بتذمّر بعد أن هدأ بالكاد : " هل عينيك مفتوحة أم مغلقة … بهالعينين، هل ترين شيئًا حتى ؟ "

كان يبدو، للوهلة الأولى، كما لو أنه لوجان المعتاد، فظًّا ومتذمّرًا كعادته، لكنني شعرت نحوه بإحساس غريب .

ضيّقت عينيّ وأنا أراقبه بصمت، فما كان منه إلا أن قفز فجأة كمن ضُبط متلبسًا .

" مـ، ماذا ؟! "

حقًا … هناك شيء مريب .

المشكلة أن هذا الرجل كان غريب الأطوار، إلى درجة لا أستطيع معها تحديد موضع الغرابة الجديدة فيه .

حرّكتُ الحساء بملعقتي ببطء وسألته : " هل كانت عادتي في النوم سيئة إلى هذا الحد ؟ "

لم يصلني أي جواب. أدرت عينيّ في محجريهما .

" … هل كنتُ أصرّ على أسناني ؟ "

عندها ردّ لوجان بصوت متوتر : " آه، لا أعلم، ولا أريد حتى التفكير بالأمر، فلا تسأليني عن هذه السخافات."

غادر مكانه دون أن ينظر إليّ حتى. بدا وكأنه سيخرج من قاعة الطعام بهدوء، لكنه تعثّر بعتبة الباب وأطلق شتيمة تحت أنفاسه . تابعتُ ظهره بعينيّ، ثم عقدت حاجبيّ.

هل يُعقل أن يكون هذا الرجل هو من كان في غرفتي الليلة الماضية ؟

… لا، مستحيل .

هززتُ رأسي محاوِلةً طرد هذه الأفكار .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

حين امتلأت معدتي، شعرتُ وكأنني عدتُ إلى الحياة. أرجعتُ ظهري إلى مسند الكرسي و ربّتُّ على بطني .

كان كيڤن الجالس إلى جانبي قد مدّ لي طائرة ورقية صغيرة .

" العم جاك هو من طواها لي."

كانت طائرة مصنوعة من ورق أزرق، ثم ابتسم كيڤن ابتسامة خجولة وبدأ يفتّش في جيبه، وأخرج منه قلبًا صغيرًا من الورق وقدّمه لي .

" وهذا … هذا لكِ يا أختي."

" كيڤن، هل أنتَ من طواه ؟ "

أومأ برأسه. حين رأيت وجنتيه محمرّتين، خطر ببالي، لبرهة قصيرة، رقم الثقة : 0%. لكنني سرعان ما محوت تلك الفكرة .

" شكرًا لك."

ابتسمتُ له وأنا آخذ القلب، فنهض كيڤن فجأة، وكأنه خجل، وخرج مسرعًا من قاعة الطعام .

آرييل، التي كانت تجلس إلى جانبي، ضحكت بخفة وكأنها وجدت تصرّفه لطيفًا، ثم ارتشفت رشفة من قهوتها.

وما هي إلا لحظة حتى أخذت تنظر حولها وتتمتم : " على ذكر ذلك … أين العم جاك ؟ لا أراه، هل ما زال نائمًا ؟ "

ألقيتُ نظرة سريعة على الساعة المعلّقة في غرفة المعيشة . الساعة الحادية عشرة وإحدى وخمسون دقيقة صباحًا .

كان الوقت قد تجاوز بكثير الموعد الذي اعتاد جاك أن يستيقظ فيه .

… لعلّه كان مرهقًا على غير العادة .

ارتشفت آرييل قهوتها مرة أخرى. تسلّل دفء شمس الظهيرة إلى أرجاء غرفة المعيشة، وغمر المكان بسكونٍ وديع، حتى لم يكن يُسمع فيه سوى صوت عقرب الثواني .

لكن في تلك اللحظة ……

— بـوم، بـوم !

بدأ صوت تحطّمٍ عنيف يتردّد من الطابق الثاني .

" مـ، ما هذا الصوت ؟ "

اتجهت نظراتي ونظرات آرييل في آنٍ واحد نحو باب الطابق الثاني المغلق .

نهضت آرييل بوجه شاحب، ثم تقدّمت بحذر نحو الدرج .

كان ذلك الصوت الصاخب مزعجًا جدًا في قصرٍ ظلّ هادئًا طوال الوقت .

مستحيل … هل حان وقت ظهور شخصية جديدة بالفعل ؟

تبعتها بصمت. كان باب الطابق الثاني يهتزّ بعنف، تتزامن معه أصوات ضربٍ متكرّرة، كأن شيئًا صلبًا يُهوى به على الخشب، لكنني عقدت حاجبيّ على الفور .

حين تظهر شخصية جديدة … هل كانت تنزل دائمًا بهذه الطريقة الهمجية ؟

ازداد صوت التحطم شيئًا فشيئًا، ثم …… تحطّم الباب بالكامل، وظهرت أمام عيني نافذة .

[ تم إلغاء قفل «الطابق الثاني».]

ومن خلف النافذة شبه الشفافة، بدا شخصٌ ينزل الدرج وهو يحمل مطرقة في يده .

وفي اللحظة التي خرج فيها وجهه من الظلال، توقّفت أنفاسي .

…… هاه ؟

كان الرجل الذي نزل من الطابق الثاني وجهًا لم أره من قبل قط .

رمشت بعينيّ في ارتباك . رجل ذو ندبة في عينه اليمنى … كان غريبًا تمامًا عن ذاكرتي .

الأشخاص السبعة الموجودون سابقًا، على الأقل، كنت قد رأيتهم في الرسومات التوضيحية .

أما هذا الرجل …

تراجعت خطوة إلى الوراء دون وعي.

… ما هذا ؟

هل كان موجودًا منذ البداية، لكن حضوره كان باهتًا إلى درجة أنني لم أحتفظ له بصورة في ذهني ؟

لم أستطع إخفاء حيرتي . التقت عيناه بعينيّ في الفراغ، فارتسمت على شفتيه ابتسامة .

" مرحبًا، يا آنسة."

تجهم وجهي دون قصد. و تجمّعت أنظار الجميع، الواقفين عند أسفل الدرج، عليّ دفعة واحدة .

قطّبت جبيني وسألته : " هل … تعرفني ؟ "

رفع الرجل كتفيه بخفة : " وكيف لي أن أعرفك ؟ "

ابتسم ابتسامة مائلة و اكمل : " كل ما في الأمر، أن أوّل من وقع بصري عليه كان أنتِ."

وقال ذلك وهو يرفع المطرقة ويضعها على كتفه .

تحدّث إيان بصوت هادئ : " من الأفضل أن تُنزل سلاحك."

" آه، هذه ؟ "

ضحك الرجل بخفّة، و رفع المطرقة في يده .

ابتلعت ريقي بصعوبة وأنا أراقبه وهو يلوّح بالمطرقة في اتجاهنا بطريقة توحي بالتهديد.

وسألنا بابتسامة ملتوية : " هل تبدو لكم كسلاح ؟ "

أجابه إيان : " … الأمر يتوقّف على كيفية استخدامها."

أطلق الرجل ضحكة ساخرة : " ماذا ؟ هل تظنون أنني سأسحق جماجمكم بهذا ؟ "

مجرد مواجهة تعابير وجهه الحادة جعلت قشعريرة تسري في ظهري. تجهم وجهه للحظة، ثم تحرّك من مكانه .

ألقى سيزار نظرة خاطفة على ظهره، وعقد حاجبيه عقدًا طفيفًا، ثم صعد نحو الطابق الثاني .

كان الرجل مريبًا بلا شك، لكن تفقد الطابق الثاني الذي فُتح لتوّه كان أهم في الوقت الراهن .

فتحتُ الخريطة على عجل. وكما توقّعت، كان مخطط الطابق الثاني ظاهرًا بوضوح .

بدأت أتفحّص ببطء النقاط الحمراء والزرقاء المعلّمة عليه، لكنني توقّفت فجأة … إذ لفت انتباهي ظهور نقطة حمراء على مخطط الطابق الأول .

****************************

الفصل : ٢٥

اليوم السابع - 23/10 (3)

لماذا توجد نقطة حمراء في غرفة جاك … ؟

لكن ما إن انتبهتُ إلى النقطة الحمراء حتى اختفت في لحظة، بعد أن كانت تومض .

تسلّل إلى قلبي شعورٌ غامض بالشؤم .

" أنتِ ذاهبة إلى الطابق الثاني أيضًا، أليس كذلك ؟ "

سألني لوجان، وقد اقترب مني دون أن أشعر .

حاولتُ التصرف وكأن شيئًا لم يحدث : " سأمرّ أولاً على العم جاك، ثم أصعد، يجب أن أُخبره أن شخصًا جديدًا نزل من الطابق الثاني."

" حقًا ؟ حسنًا، إذًا أراك لاحقًا."

ثم توجّه لوجان نحو الطابق الثاني .

أسرعتُ أنا إلى غرفة جاك. وبدات خطواتي تتسارع كلما اقتربت .

لا يُعقل أن يظهر فخّ في غرفة جاك ثم يختفي، لذا فاحتمال أنني أخطأتُ في رؤية النقطة الحمراء كان واردًا .

ومع ذلك، لم يفارقني القلق … على نحوٍ غير مألوف .

طرقتُ الباب طرقًا خفيفًا .

" عمّي، أنا فيفيان، هل يمكنني الدخول قليلاً ؟ "

لم يأتِ أي رد .

" عمّي … هل أنت نائم ؟ "

ظلّ الصمت مطبقًا. داهمني خوفٌ مفاجئ، فمددتُ يدي، رغم علمي أن هذا تصرف غير لائق، وأدرتُ مقبض الباب .

" … عمّي ؟ "

ناديتُ جاك وأنا أدخل الغرفة .

كان عبقٌ حلو يملأ المكان بكثافة، وكان جاك ممدّدًا فوق السرير .

" عمّي ؟ "

لا إجابة . ابتلعتُ ريقي وتقدّمت نحوه ببطء. كان وجه جاك شاحبًا، كأن ريح شتاءٍ قارس قد اجتاحه وتركه بلا لون. وحين وقعت عيناي على وجنتيه البيضاوين الخاليتين من أي دم، شعرتُ كأن قلبي يهوي إلى قاعٍ لا نهاية له .

… لا، لا يمكن .

" عمّي."

اقتربتُ منه على عجل، لكن جاك لم يُبدِ أي حركة .

هذا مستحيل … لماذا جاك … ؟

تزايد اضطرابي : " عمّي ! "

هززتُه بعجلة لأوقظه، لكنه ظلّ ساكنًا تمامًا .

لا … هذا مستحيل .

امتلأ رأسي بالأفكار إلى حدّ أنني لم أعد أجرؤ على تخمين ما الذي أفكّر فيه تحديدًا .

يجب … يجب أن أُخبر الآخرين …

… لكن في تلك اللحظة، انفتح ملفّ تعريف جاك الموضوع على المكتب مصدِرًا خشخشة خفيفة .

طفَت حروفٌ زرقاء في الهواء، تتنقّل هنا وهناك، ثم بدأت تلتصق بصفحات الملف .

شعرتُ وكأن الدم يتجمّد في عروقي .

" …… "

بقدمين متصلّبتين، اقتربتُ من الملف بصعوبة. كانت الحروف المتناثرة تنتظم، لتشكّل نصًا واحدًا .

[ وقت الوفاة : 23 أكتوبر 1106، الساعة 5:06 صباحًا ]

[ سبب الوفاة : التسمّم ]

كانت تلك الصفحة الأخيرة من ملفّ جاك التعريفي .

لم يستغرق فهمُ معنى الكلمات المكتوبة عليه وقتًا طويلاً . قرأتُها مرارًا وتكرارًا، لكن الحروف ظلّت على حالها، لا تتغيّر .

… ليتَ كلّ هذا لم يكن سوى حلم .

بدأت قدماي ترتجفان، وكدتُ أترنّح، فسارعتُ أتشبّث بحافة المكتب .

لماذا … لماذا ؟ لماذا مات جاك ؟

كان عليّ أن أصرخ، أن أستدعي الآخرين بأيّ طريقة، لكن صوتي لم يخرج .

أغمضتُ عينيّ بإحكام، محاوِلةً تهدئة قلبي الذي كان يخفق بعنف، غير أنّ الصوت ظلّ حبيس حلقي، لا يتجاوز شفتيّ .

إن كنتُ عاجزةً عن الصراخ، فلا بدّ أن أذهب بنفسي لإحضارهم .

وفي اللحظة التي حاولتُ فيها، بصعوبة، الخروج من الغرفة، اصطدمتُ بآرييل التي كانت تدخل في تلك اللحظة .

" فيفيان ؟ "

مع أنّني لم أقتل جاك، شعرتُ وكأنّ الدم قد تجمّد في عروقي .

رمشت آرييل بعينيها، وقد بدا عليها الحيرة من منظري المتجمّد تمامًا، لكن ما هي إلا لحظات حتى انتقل بصرها إلى جاك الممدّد على السرير .

" لم يستيقظ العمّ بعد ؟ "

سقط قلبي مجددًا عند سماعها. تقدّمت آرييل نحو جاك .

تشبّثتُ بمقبض الباب بقوّة، محاوِلةً تحريك ساقيّ المتصلّبتين، لكنني لم أقطع سوى خطوات قليلة قبل أن أسقط على الأرض .

بعدها مباشرة، دوّى صراخ آرييل في أرجاء الغرفة .

لكن هل كنتُ قد فقدتُ وعيي بالفعل ؟

كلّ شيء بدا ضبابيًا … باهتًا .

إذًا … يعني … هذا يعني أن ……

" فيفيان ! "

في تلك اللحظة، أمسك أحدهم كتفي بقوة. جعلتني القبضة المفاجئة على كتفي أرفع رأسي فجأة .

… كان سيزار .

عندها فقط أدركتُ أنّني لم أكن أتنفّس .

فتح سيزار فمه مخاطبًا إيّاي : " … تنفسي ببطء."

امتثلتُ لكلامه، وأخرجتُ النفس الذي كنتُ أحْبِسه رويدًا .

" … أحسنتِ."

أفلت سيزار كتفيّ بحذر، وعندما ابتعدت يده، انتفضتُ و امسكت كمّه على عجل .

كان عليّ أن أقولها .

" … فيفيان ؟ "

ناداني سيزار بوجهٍ متصلّب .

كان عليّ أن أخبره … بمن مات .

فتحت شفتيّ بصعوبة، وكأنّهما تأبيان الانفتاح .

" …… العمّ."

" …… "

" … مات."

اضطرب وجه سيزار عند كلماتي .

كانت يدي الممسكة بكمّه ترتجف ارتجافًا بائسًا، وقد شحب لونه كما شحبت وجنتا جاك حين رأيته للتو .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

لقد مات العمّ جاك، وكان هذا الخبر وحده كافيًا ليغرق القصر كلّه في الحزن .

في الممرّ، كان لوكاس يصرخ بأعلى صوته، غير قادر على كبح حزنه. وأنا حدّقتُ في الفراغ بعينين شاردتين.

لم أستطع أن أفهم من أين بدأ كلّ شيء ينحرف على هذا النحو .

إذًا … جاك مات ؟ لماذا … ؟

مهما فكّرت، لم أجد سببًا لموت جاك. فمن المبكّر جدًّا أن يموت أحد، قبل أن ينكشف أيّ شيء يُذكر .

ومع ذلك … قبضتُ يدي بإحكام. رغم موت جاك، ظلّ الزمن اللامبالي يمضي كما هو، وكأنّ شيئًا لم يحدث .

وفجأة، تذكّرتُ كلمات سيزار .

" بعد الانتهاء من التحقيق، لنجتمع في غرفة المعيشة عند الساعة الثانية ظهرًا ."

اتّفقنا على أن ننقسم إلى فرقٍ من شخصين، ونبدأ التحقيق في وفاة جاك. أما أنا، فقد تقرّر أن أفتّش غرفة المعيشة مع الرجل الذي نزل من الطابق الثاني .

بالطبع، لم يكن الأمر تحقيقًا مشتركًا بقدر ما كان مراقبةً له، فوفق الملابسات، لم يكن من الممكن أن يكون هو قاتل جاك .

كان يرمقني بصمت، وفجأة رفع إصبعه ونقر به بخفّة أمام وجهي .

لم يكن فعلاً يُذكر، ومع ذلك انتفضتُ بفزعٍ مبالغ فيه. ويبدو أنّ ردّة فعلي أفزعته هو الآخر، فتراجع مندهشًا .

وكأنّه خجل من نفسه، حكّ خدّه بيده، لكن لم تمضِ سوى لحظة حتى ناداني : " يا آنسة."

" … نعم ؟ "

مال برأسه وهو يعقد ذراعيه : " من الذي مات الآن ؟ "

مات … انقلبت معدتي اضطرابًا .

" … شخص … جاء معنا."

" … أكان اسمه جاك جرين ؟ "

أومأتُ برأسي بصعوبة، فتنفّس الرجل زفرةً قصيرة، ثم التقط رغيفًا كان على الطاولة.

وكان ذلك أول ما فعله فور نزوله إلى الطابق الأوّل : الدخول إلى المطبخ وتناول الطعام .

راح يمضغ الخبز ببطء ويتمتم : " حظه تعيس … أن يأتي إلى هنا ليموت."

" …… "

كان يتصرّف وكأنّ موت جاك لا يعنيه بشيء، فأراح ظهره على مسند الكرسي، وأخذ يتفحّص غرفة المعيشة كأنّه منزله، ثم حشر قطعة خبز مدهونة بمربّى التفاح في فمه دفعةً واحدة، ونفض يديه ونهض.

تقدّم نحو التلفاز وراح يتفقّده : " يا آنسة، هل وجدتِ أي أدلة مفيدة في الطابق الأول ؟ "

" … لا أعلم."

قبضتُ يدي بقوّة .

تماسكي … لا يجب أن أبقى هكذا .

تنفّستُ بعمق، ثم واجهته .

فأشار بكتفيه بخفّة، كأنّه يقول: تفضّلي، قولي ما تريدين .

" هل كنتَ وحدك في الطابق الثاني ؟ "

" على الأرجح."

وأنا أستمع إلى إجابته، أخذتُ أتأمّله ببطء. بدا في منتصف الأربعينيات من عمره. كان في عينه اليمنى أثر جرحٍ غائر، ندبةٌ عريضة كأنّ سهمًا اخترقها يومًا .

ربّما لهذا السبب … مع أنّه كان يحدّق بي بعينٍ واحدة فقط، إلا أنّ حضوره كان طاغيًا . وبينما كنتُ أراقبه، كان هو الآخر يراقبني بهدوء مماثل .

" بالمناسبة، ما اسمكِ ؟ "

" … فيفيان لوبيز، وأنت ؟ "

" ماكس مونسون."

اسم لم أسمعه من قبل، ولا الوجه مألوف أيضًا .

إن كان شخصًا لا وجود له في ذاكرتي، فهل يعني هذا أنّه غير موجود في اللعبة الأصلية ؟

" ناديني بما تريدين، لكي أفعل المثل أيضًا، فهذا سيكون مريحًا."

قالها وهو يطلق ضحكةً قصيرة، ثم ألقى نظرةً خاطفة نحو الممرّ الغربي .

بدا وكأنه يراقب الآخرين، قبل أن يعيد نظره إليّ ويتقدّم بخطواتٍ حذرة حتى وقف قريبًا منّي .

ثم قال بصوتٍ منخفض : "لكن قبل ذلك، يا آنسة … ما رأيكِ أن نتحالف ؟ "

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان