في الحقيقة، الحياة لا تنهار دفعةً واحدة .
لقد منحني الحاكم فرصًا عديدة، لكن كنت أنا من أضاعها جميعًا .
على الأقل، لو كنتُ قد أدركتُ في وقتٍ مبكر أن هذا العالم هو داخل لعبة 'عزيزتي'، لكان هناك ما تغيّر . حتى لو حاولتُ أن أغمض عينيّ وأتجاهل تلك الحقيقة، فهي أمرٌ يستحيل تجاهله .
… هيلين لوبيز … كانت هي ندمي .
أول مرة التقيتُ فيها بهيلين، كان في اليوم الذي فتحتُ فيه عينيّ لأول مرة في هذا العالم. كنتُ حينها منوَّمة في المستشفى .
" … لقد كنتِ نائمة منذ الحادي والعشرين، واستيقظتِ بعد أربعة أيام."
بحسب ما أخبرني به الطبيب، فقد وجدني أحدهم فاقدة للوعي في الطريق، فنقلني إلى المستشفى .
حسنًا، إلى هنا كان كل شيء مقبولاً، لكن ما لم أفهمه هو : لماذا كان جميع من في المستشفى أجانب ؟
تساءلتُ إن كنتُ قد أُدخلتُ إلى مستشفى في الخارج، لكن كانت هناك مشكلة أخرى .
… حتى أنا أصبحتُ أجنبية .
مهما فكرتُ في الأمر، لم يكن هذا إلا حلمًا … آه، إذن هذا هو الحلم الواعي .
ما فعلتُه بعدها كان بسيطًا للغاية. كما في المسلسلات، نزعتُ أنبوب المحلول بيدي العارية. لم أشعر بأي ألم، فازددتُ يقينًا أنني داخل حلم .
كان هناك أمر لطالما رغبتُ في فعله إن حلمتُ حلمًا واعيًا، وهو الطيران في السماء … لذا، قفزت من سطح المستشفى .
هل كنتُ أتوق إلى الطيران إلى هذه الدرجة ؟
لا أعلم. حسنًا، الحقيقة هي أنني كنتُ أخشى الطيران نفسه . ربما … في تلك اللحظة، كنتُ أعلم أن هذا المكان ليس حلمًا .
فالحقيقة أن نزع المحلول كان مؤلمًا إلى حدٍّ مرعب. وما زال ذلك الألم حيًّا في ذاكرتي حتى الآن .
في ذلك الوقت، لا بد أنني فقدتُ صوابي. لو كان الألم أقلّ، لربما استطعتُ التفكير بعقلانية، لكن جسد فيفيان - وللأسف - لم يكن سوى جسدٍ غارق في الألم .
كنتُ أريد الهروب من ذلك العذاب المروّع. وما أبقاني متماسكة حتى الآن … كان بفضل هيلين .
" أختي ! "
كانت هيلين تبكي بحرقة وهي تحتضنني بعد سقوطي من السطح .
طفلة لا أعرف من تكون، تمسك بي وتبكي بهذا الشكل … لم يكن أمامي سوى الارتباك .
لم أكن أعرف في جسد من دخلت، ولا ما هو هذا العالم، ومع ذلك حاولتُ بكل جهدي أن أهدّئ هيلين .
" عليكِ أن تتناولي الدواء في وقته."
كانت هيلين تعتني بي بإخلاصٍ بالغ. صاحبة هذا الجسد كانت ضعيفة، ومع السقوط من السطح، ازدادت حالتها سوءًا .
قال الطبيب إن نجاتي كانت أشبه بمعجزة، وأضاف أن إغمائي في الطريق كان على الأرجح بسبب ضعف الجسد الشديد .
وعندما سمعت هيلين ذلك، شكرت الحاكم. شكرته لأنه أبقى أختها على قيد الحياة، ودعت أيضًا من أجل سعادة الشخص المجهول الذي نقلني إلى المستشفى .
" …… "
كنتُ أعاني من حمى شديدة تكاد لا تفارقني يومًا. وفي تلك الفترة، كنتُ غارقة في غضبٍ عارم لأني دخلت في جسدٍ ليس جسدي .
لم أكن أعرف أين أنا، ولا من تكون فيفيان، ولم يكن في قلبي سوى الاختناق والضياع، لكنني لم أستطع أن أقول لهيلين - التي كانت تحب أختها إلى هذا الحد - إنني لا أتذكر شيئًا . وكان ذلك الضغط النفسي أشد مما توقعت أيضًا .
لقد تجاوزتُ بكثير فترة التعافي التي حدّدها الطبيب. وخلال ذلك كله، واصلت هيلين رعايتي بإخلاص. كان ينبغي لي أن أتعافى سريعًا، ولو من أجلها، لكنني لم أستطع استعادة وعيي .
طعام هذا العالم لم يكن يروق لي، و بيئته لم تكن تشبه عالمي السابق. لو كان هناك شخص واحد أعرفه، لكان الأمر أفضل … لكن طالما أنني فيفيان، فلا يمكن أن يكون لي معارف هنا، ثم حدث ما جعلني أقترب حقًا من الموت .
كنتُ ألهث من شدة الحمى، وفي تلك اللحظة، أمسكت هيلين بيدي وكتمت بكاءها .
" … أختي، لا تموتي."
يبدو أن هيلين ظنّت أنني لا أسمعها .
" لقد صمدتِ جيدًا حتى الآن."
حين سمعتُ تلك الكلمات، عاد إليّ وعيي. هذا الجسد ليس جسدي، ولذلك، كان عليّ على الأقل أن أتحمّل إلى أن تعود صاحبته . فذلك كان آخر ما يمكنني فعله من أجل هذه الطفلة .
ما إن أدركتُ هذه الحقيقة، حتى خفّ الضغط النفسي تدريجيًا، وبدأ جسدي يتعافى شيئًا فشيئًا. وكانت هيلين في غاية السعادة وهي ترى ذلك .
" أختي، عندما تخرجين من المستشفى غدًا، هل نذهب للتسوّق معًا ؟ "
أومأتُ برأسي على كلامها .
… من الآن فصاعدًا، عليّ أن أحسن معاملتها. فلولا هيلين، لربما كنتُ قد متُّ حقًا .
ومن ناحيةٍ أخرى، شعرتُ بقليلٍ من الحسد تجاه فيفيان التي حظيت بأختٍ كهذه.
ومضى الوقت سريعًا، حتى جاء يوم خروجي من المستشفى، لكن مهما انتظرتُ لساعات، لم تظهر هيلين .
هل حدث لها مكروه ؟ ساورني القلق، لكنني انتظرتها بصمت .
ومع حلول الليل، لم تعد إليّ . في النهاية، عدتُ وحدي إلى المنزل الذي أخبرتني به .
وهكذا مرّ يوم .
ثم ذهبتُ إلى مركز الشرطة .
ثم مرّ يومان .
ثلاثة أيام، أربعة …… ومضت عشرة أيام، من دون أن تعود هيلين .
بحثتُ عنها بيأس، لكن لم يكن لها أثر، ربما كانت غاضبة مني .
وبعد شهرٍ كامل …… جاءني ضابط الشرطة بدلاً من هيلين التي كنتُ أنتظرها .
" عُثر على جثةٍ في غابة أليس، لكن لم يتم التعرّف على هويتها بعد."
كان يطلب مني أن أتحقق من الجثة .
كان كلامًا بالغ القسوة، لكنني وافقت .
… ذهبتُ و رأيتُ الجثة .
كان وجه هيلين الجميل قد تمزّق بشدّة، وكأن الحيوانات البرية قد افترسته .
… لم أعد أستطيع الجزم إن كانت هي أم لا، لكن بالقرب من الجثة، وُجد خاتم واحد . الخاتم الذي كانت تتشاركه مع فيفيان .
قال الضابط إن الأمر يبدو كحادث سير، وأضاف أن الجاني، على الأرجح، لم يشأ أن يُكشف أمره، فقام بالتخلّص من الجثة في الجبال .
" …… "
رمشتُ فقط وأنا أنظر إلى قبر هيلين. يبدو أن الناس اعتقدوا أنني فقدتُ عقلي من الحزن، إذ لم تسقط من عيني دمعة واحدة على موت أختي .
والحقيقة أن الدموع لم تكن تخرج فحسب، فقد كنتُ فقط في حالة ذهولٍ تام .
كان الفصل الذي ماتت فيه هيلين شتاءً قارسًا. وبينما كنتُ أزيح الثلج المتراكم عن قبرها، تمتمتُ : " لو كنتُ أعلم أن الأمر سيؤول إلى هذا، لكان الأفضل أن أموت أنا أولاً."
لم يكن هناك من يجيبني، بالطبع . شعرتُ بنوبة غضبٍ مفاجئة .
" قلتِ لي ألا أموت … فكيف تسبقينني أنتِ إلى الموت ؟ "
وبينما كنتُ أقول ذلك، انهمرت الدموع بغزارة .
عندها فقط أدركتُ الحقيقة … آه … لقد كنتُ أحب هيلين أكثر مما تصوّرت .
" …… "
في تلك اللحظة، سمعتُ حفيفًا من مكانٍ ما. رفعتُ رأسي لأرى من ذلك الذي يقترب دون أدنى إحساس بالموقف .
شعرٌ يشبه أشعة الشمس الساطعة، وعينان فضّيتان تحدّقان في وجهي الملطّخ بالدموع والمخاط وكأنه قذر .
هل لم يرى شخصًا يبكي من قبل ؟ لم يعجبني ذلك النظر المليء بالازدراء .
" ما الذي تنظر إليه ؟ "
وعند سماعه صوتي الأنفي، ضيّق الرجل عينيه … وكان ذلك أول لقاء لي مع سيزار كوتون .
وإذا فكّرتُ بالأمر الآن، فلا يوجد لقاء أول أكثر عبثيةً من ذلك .
— اليوم السادس - 10/22
" هاه …… "
إذًا، هذا المكان الآن هو … ؟
ما إن فتحتُ عينيّ حتى جلستُ فجأة، رافعةً الجزء العلوي من جسدي .
" يا إلهي ! "
في تلك اللحظة، انتفض لوجان الذي كان إلى جانبي، ونظر إليّ بذهول .
أغمضتُ عينيّ وفتحتهما بصعوبة .
هل بكيتُ وأنا نائمة ؟ كان فتح عينيّ مرهقًا، فضغطتُ بأصابعي على أطرافهما بقوة .
… من هذا التورّم في عينيّ، يبدو أنني رأيتُ حلمًا عن هيلين .
كان لوجان قد ابتعد قليلاً عني، ثم تنفّس بعمق وهو يربّت على صدره قبل أن يقترب مجددًا .
" … هل أنتِ بخير ؟ "
" نعم."
وحين حاولتُ النهوض من السرير، ضغط لوجان على كتفيّ بعجلة . نظرتُ إليه باستفهام، كأنني أسأله عمّا يفعل، فعبس وهو يقطّب حاجبيه .
" أتعلمين أنكِ كنتِ نائمة ليومين كاملين ؟ "
" … أنا ؟ "
رغم أنني أجبته، حاولتُ النهوض مجددًا، لكنه ظلّ يضغط على كتفيّ بإحكام. لم أكن قادرة على مجاراة قوته، فاضطررتُ في النهاية إلى الاستسلام والعودة للاستلقاء، لكن الاستلقاء وحدي جعلني أشعر بقليلٍ من الحرج .
درتُ بعينيّ في الفراغ للحظة، ثم سألتُ لوجان بحذر : " … وماذا حدث لسكين المطبخ ؟ "
" لم نعثر عليها."
قالها بنبرةٍ هادئة، ثم عصر منشفةً مبللة و وضعها على جبيني .
لم أكن أعاني من الحمى، ولم يكن هناك داعٍ لكل هذا .
" … أنا بخير حقًا."
وحين حاولتُ الجلوس مرةً أخرى، رفع لوجان صوته : " آه، فقط ابقي مستلقية قليلاً ! "
انتفضتُ بتفاجؤ، فعبس لوجان وسألني بجدية : " أتعلمين أنكِ كنتِ تبكين بشدة وأنتِ نائمة ؟ "
" … حقًا ؟ "
تظاهرتُ بعدم المعرفة. فحتى لو سألني عن السبب، لم يكن لديّ ما أجيب به .
أن أقول إنني كنتُ أبكي بحرقة لأنني أشتاق إلى أختي … لكن، لو رأتني هيلين على هذه الحال، فقد تأتي لتبحث عني من العالم الآخر .
…… عند التفكير في الأمر، قد يكون هذا أمرًا جيدًا .
****************************
الفصل : ٢٣
اليوم السادس - 10/22 (2)، اليوم السابع - 10/23 (1)
تمتم لوجان متذمّرًا : " يا له من أمرٍ سخيف."
ألقيتُ نظرةً خاطفة على المنشفة المبللة الموضوعة فوق جبيني، ثم سألته بهدوء : " … هل كنتَ أنتَ من يعتني بي طوال هذه المدة ؟ "
" كنتُ أنا والآخرون نتناوب."
أجابني بسهولة، لكن عينيه ضاقتا فجأةً بنظرةٍ جانبية .
" ياا."
" نعم ؟ "
" لكن لماذا تنادينني دائمًا بـ 'أنت' ؟ "
دارت عيناي بهدوء. يبدو أنني اعتدتُ ذلك خشية أن يبدو غريبًا أن أعرف اسم لوجان من دون أن يعرّفني أحد به .
أمال لوجان رأسه : " هل تعرفين اسمي ؟ "
" طبعًا، لوجان بارنز."
قالها وهو يتأمّلني بنظرةٍ ثابتة : " حسنًا، تعرفين ذلك جيدًا."
… لماذا ينظر إليّ هكذا ؟
شعرتُ بشيءٍ من الحرج تحت نظرته، فسألته بحذر : " هل … كانت لي عادات نوم سيئة ؟ "
" نعم، سيئة جدًا."
" …… "
" لكن … أنتِ …… "
" …… ؟ "
همّ بقول شيء، ثم أغلق فمه فجأة. ظننتُ أن لديه ما يريد قوله، فحبستُ أنفاسي بانتظار بقيّة كلامه، لكن لم يصدر عنه شيء .
في النهاية، لم أحتمل وفتحتُ فمي أولاً : " ماذا ؟ "
" لا شيء."
" لقد كنت ستقول شيئًا، لكنك توقفت."
" حقًا لا تتركين كلمة إلا وتتشبثين بها."
مرّر يده بخشونة في شعره، ثم نهض من مكانه : " كنتُ سأقول فقط إن عادات نومك سيئة للغاية."
هل كان هذا كل ما أراد قوله حقًا … ؟
" هل ستأكلين ؟ "
" … نعم."
" سأجلب الطعام، فابقي مستيقظة ولا تنامي."
أومأتُ برأسي بخفة. وبعدها مباشرة، غادر لوجان غرفتي .
عبثتُ بالمنشفة فوق جبيني .
… من المؤكد أن من وضع شريط هيلين هنا هو ألبرتو، أليس كذلك ؟
لا أعلم لماذا أحضر شريطها، لكن على الأقل لا يبدو أنه فعل ذلك بنيةٍ حسنة. قطّبتُ جبيني دون وعي، ثم توقّفت فجأة .
مهلاً … أين الشريط الآن ؟
إن رآه شخص آخر، فلا بد أنه سيُصدم، وإن كان كيڤن الصغير من يراه ……
نهضتُ على عجل أبحث عن الشريط، ثم أدرتُ عينيّ بقلق … هل يمكن أن يكون … ؟
فتحتُ نافذة المخزون، على أمل أن تكون فكرة جيدة .
ولحسن الحظ - أو لسوئه - رأيتُ الشريط في زاوية النافذة. ضغطتُ عليه بحذر .
[ شريط فيديو «هيلين لوبيز»
شريط يحتوي على تسجيلٍ للحظة حادث هيلين لوبيز.
يمكنك تشغيل أغنية «Rock with you»
لغادويك، المسجلة أيضًا، وقتما تشاء.]
يمكنني تشغيل الموسيقى التي كان القاتل يستمع إليها متى شئت ؟
…… هذا جنون حقيقي .
أفلتُّ ضحكةً فارغة من شدّة الصدمة .
حين يظهر حادث هيلين هكذا فجأة، ألا يعني ذلك أن هناك أحدٌ منهم قد قتلها ؟
ارتسم أمام عينيّ مظهر هيلين في الفيديو، بعينيها المذعورتين. فشعرتُ بصداعٍ يضغط على رأسي، فدفنتُ وجهي في الوسادة دون وعي .
ومع ذلك، وسط هذا الألم، برزت فكرة واحدة بوضوح .
لا يجب أن أموت بعد، حتى أقبض على من قتل هيلين، لا يمكنني أن أموت .
… فيڤيان القاتلة. لن أدافع عن جرائم فيڤيان. صحيح أنني لا أعرف ظروفها، لكن الحقيقة أنها قتلت إنسانًا .
كان من الظلم قليلاً أن أدخل جسد قاتلة وأنا لم أرتكب ذنبًا، لكن ما حدث قد حدث .
وإن كان عليّ أن أدفع ثمن خطايا فيڤيان، فأريد أن يكون ذلك بعد أن أُبرئ مظلومية هيلين على الأقل .
شدَدتُ الوسادة بقوة. إلى أن يحدث ذلك، يجب ألا يُكشف شيء عن فيڤيان.
… حتى الحاكم سيتفهم هذا، أليس كذلك ؟
حين فكرتُ في الأمر على هذا النحو، بدت الأمور أبسط بكثير .
— اليوم السابع - 10/23
غفوتُ مجددًا .
كنتُ أريد أن أبقى مستيقظة بأي طريقة، تذكّرًا لوعد لوجان بإحضار الطعام، لكن عينيّ لم تطاوعاني أبدًا .
كان شعورًا ضبابيًا، كأنني معلّقة على الحد الفاصل بين الحلم والواقع .
من خلف ضبابٍ كثيف، خُيّل إليّ أنني أسمع وقع خطوات لوجان، لكن جسدي كان مترهّلاً تمامًا، كقطنٍ مبلّل بالماء، عاجزًا عن جمع أي قوة .
كان شعورًا وكأنني أمشي بلا هدف في ضباب كثيف. لم أستطع تقدير إلى متى سأظل أسير في هذا المكان، ولا أي مؤشر يدل على وجهتي، لكن هذا الشعور لم يدم طويلاً، إذ وضع أحدهم يده على خدي النائم .
" …… ! "
كانت لمسة باردة، تشبه نسيم يوم شتاء قارص. ومع تلاشي الضباب الكثيف، بدأت أستعيد وعيي شيئًا فشيئًا، مبتعدة عن الشعور بالدوار والارتباك .
على الرغم من أن عقلي أصبح مستيقظًا، لم أستطع بعد فتح عينيّ .
ربما شعر بعودتي إلى الوعي، إذ غطت يد كبيرة عينيّ. وبفضل برودة يده، بدأت الحمى التي كانت تحيط بجسدي تتراجع شيئًا فشيئًا .
وعندما عاد تنفسي إلى انتظامه، رفع يده عن وجهي، ثم مسح عرق وجهي البارد بمنشفة. كانت لمسة يده عند تنظيف وجهي دافئة وحنونة للغاية .
ربت على شعري أيضًا، كما لو أنه يلمس شيئًا عزيزًا عليه .
لمست يده، الدافئة الآن من حرارة جسدي، وجهي، ثم داعب شفتيّ بأصابعه .
على الرغم من سكون الظلام، كان بإمكاني أن أشعر بنظراته بوضوح .
أردت أن أعرف من يكون، لكن سرعان ما غفوت مجددًا .
ولحسن الحظ، هذه المرة نمت نومًا عميقًا .
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
امتلأت الغرفة بأشعة الشمس .
لم أستطع مقاومة ضوء الشمس الذي كان يسقط عليّ، ففتحت عينيّ ببطء، و رأيت هيئة بشرية .
" …… "
بدأت الرؤية الضبابية تتضح تدريجيًا. الشخص الذي أصبح واضحًا أمامي كان سيزار .
" … هل استيقظتِ ؟ "
ساعدني سيزار على الجلوس .
" كيف حال جسدك ؟ "
" … أنا بخير، يبدو أن التعب تراكم فجأة."
مدّ سيزار لي كوب الماء، فشربته. بعد وقت طويل من دون ماء، بدا طعمه حلوًا بشكل مدهش .
نظرتُ إلى وجه سيزار، فبدا شاحبًا بعض الشيء. لم أنظر إليه طويلاً، فقط أمعنت النظر حولي بهدوء .
ربما لاحظ ذلك، إذ سألني وهو يراقبني : " هل تشعرين بتوعك مرة أخرى ؟ "
" لا، ليس ذلك …… "
هناك شخصًا ما لمس وجهي خلال الليل .
رغم ذلك، أمسكت بكلماتي وأبقيتها لنفسي، فقد يكون مجرد وهم، بالإضافة إلى أن نطق مثل هذه الأمور كان يشعرني ببعض الإحراج .
حينها، مد سيزار يده نحوي. ارتعشت قليلاً، لكنه لم يهتم، و وضع ظهر يده على جبيني، ثم على خدي .
" يبدو أن حرارتك قد انخفضت."
كان لمس سيزار لي يبدو مألوفًا إلى حد كبير، ومع ذلك شعرت بغرابة طفيفة، فأدرت عيني بهدوء .
ربما لاحظ ذلك، إذ توقفت يده فجأة، ثم قال بوجه هادئ وكأنه لا شيء : " حتى لو لم يعجبكِ الأمر، تحمليه، لو لم يعجبكِ اهتمامي بكِ، لما مرضتِ."
كان كلامه وكأنه يواسي طفلاً، بالطبع، لم يكن هذا سبب شعوري، فهو من اعتنى بي، ولا مجال للتفكير بشيء آخر .
قلت وأنا أتنحنح بخفة : " لم أكن أكره الأمر … "
" …… "
" بل أنا جائعة."
لم تمضي لحظة حتى صدر صوت من بطني، فارتسمت ابتسامة خفيفة على شفاهه .
نظرتُ إليه بغضب ساخر : " لا تبتسم، هذا رد فعل طبيعي تمامًا."
" لم أبتسم."
" رأيت زاوية شفتيكَ تتحرك للتو."
" أنت بارعة جدًا في ملاحظة الأمور السخيفة."
" ولماذا يعتبر هذا سخيفًا ؟ من الصعب جدًا رؤية وجهك المبتسم."
مال سيزار برأسه كما لو أنه لم يفهم كلامي : " أعتقد أنني فعلت ذلك عدة مرات أمامكِ."
" إذًا، يبدو أنني أحرجتُ نفسي أمامكَ كثيرًا."
ضحك سيزار ضحكة خفيفة على كلماتي، لا بد أنني أحرجتُ نفسي دون قصد الآن .
أبعدت نظري عن وجهه ونهضتُ من السرير .
" ستخرجين ؟ "
" نعم."
فما كان من سيزار إلا أن فتح الباب لي من تلقاء نفسه، وكان هذا الشعور غريبًا بعض الشيء .
قلت بهدوء : " لدي يد أيضًا."
" أعلم."
لكن بدا أنه لا يدرك ما هو غير مريح في هذه اللحظة. كان فقط يومئ برأسه كما لو يقول لي : اذهبي بسرعة.
قضيت لحظة وأنا أحرك عينيّ، ثم خرجت من الغرفة .
أولويتي الآن … هي حل مسألة الجوع أولاً .
****************************