الفصل ٢٠ و ٢١ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الرابع - 10/20 (2)

بعد الانتهاء من تناول الطعام، توجهتُ أنا أيضًا إلى غرفة الجلوس .

هناك، كان كيڤن جالسًا في مكانه يرسم، وما إن لمحني حتى هتف : " آه، أختي ! "

إلى جانب كيڤن كان لوجان، وكان جاك يجلس قريبًا منهما يراقبهما بنظرةٍ راضية. وحين رآني أدخل غرفة الجلوس، ابتسم جاك وقال لي : " يبدو أن كيڤن رسمك بشكل رائع."

" … هل رسمَني كيڤن ؟ "

تسلل إليّ فضولٌ خفي لرؤية صورتي في رسمه. اقتربتُ منه بحذر، فناولني دفتره بابتسامة فخورة .

" رسمتكِ، و رسمتُ الأخ أيضًا."

انحنت عينا كيڤن بانحناءة لطيفة وهو يبتسم، ثم أشار بإصبعه الصغير إلى امرأة ذات شعر طويل كستنائي .

" هذه أنتِ."

كان رسم كيڤن أفضل مما توقعت. وحين أطلقتُ إعجابًا خافتًا، قال بوجهٍ ممتلئ بالفخر : " رسم لوجان صورة أيضًا ! "

من دون أن أشعر، التفتُّ بنظري نحو لوجان، فانتفض بوضوح وغطّى رسمه بيده على عجل .

" مـ … ماذا ؟! "

" … لن أنظر، لا تقلق."

لكن لوجان بدا خائفًا من أن أرى رسمه، فأغلق دفتره تمامًا. عند منظره ذاك، أطلقتُ ضحكة قصيرة، وما هي إلا لحظة حتى جلستُ في المكان الذي كان كيڤن يربّت عليه بيده الصغيرة .

راقبنا لوجان بنظرةٍ حذرة، ثم فتح دفتره المغلق بخفة . وحين وقعت عيناي، من غير قصد، على دفتره، انتبه لوجان لنظرتي فغطّى الرسم مرة أخرى بعجلة .

" أنتِ …… ! "

كان وجهه محمرًّا وهو يزمجر غاضبًا. وأنا أحدّق في ملامحه، أسرعتُ أستجمع نفسي وقلت : " حسنًا، لقد رسمتَ بشكلٍ جميل."

أن يُعبَّر عن الوحش بهذه الطريقة … لا بد أن هذا عمل فني مذهل بحق .

" شكل عرف الوحش الممتدة رائعًا جدًا."

ما إن سارعتُ بإطلاق كلمات المديح، حتى فتح كيڤن فمه بهدوء، وقد كان يستمع إلى حديثنا : " هذا … أنا."

" …… "

للحظةٍ عجزتُ عن الرد، لكنني تماسكتُ بسرعة و واصلتُ الكلام : " هذا يعني أن كيڤن رائع إلى هذه الدرجة."

" … اصمتي فقط."

قطّب لوجان حاجبيه، ثم سرعان ما انفجر غضبًا ودفع دفتر الرسم نحوي .

" هيا، جربي أن ترسمي بنفسك."

" ماذا ؟! "

طحن لوجان أسنانه وقال : " دعينا نرى كم أنتِ بارعة في الرسم."

بدا كلامه عبثيًا إلى درجة جعلتني أحرّك شفتيّ دون صوت .

" أختي، تفضّلي ألوان الشمع ! "

ناولني كيڤن علبة الألوان. وبحكم الأمر الواقع، أخذتها وبدأتُ أرسم .

لم تمضي سوى لحظات حتى سألني لوجان بنبرةٍ مقتضبة : " انتهيتِ ؟ "

" ليس بعد …… "

" لقد انتهيتِ، هذا واضح."

وقبل أن أتمكن من الإمساك بالدفتر، خطفه لوجان بالكامل .

فمددتُ يدي مرتبكة وأنا أقول : " آه، لم أنتهي من الرسم بعد ! "

ابتسم لوجان ابتسامةً ساخرة وهو ينظر إلى رسمي، ثم قال لي بنبرةٍ لاذعة : " هاه ! بهذه المهارة السيئة في الرسم، تجرؤين على السخرية من رسمي ؟ "

لا، أعني … متى سخرتُ منه ؟!

شعرتُ بسخفٍ شديد إلى درجة أن الكلمات لم تخرج بسهولة .

وبينما كنتُ عاجزة عن الرد، بدأ لوجان يتأمل رسمي ثم أطلق إعجابًا مقتضبًا : " يا للعجب … كيف يمكن حتى أن يُرسَم شيء كهذا ؟ "

ثم بدا كأنه يريد التباهي برسمي هنا وهناك، فنادى سيزار الذي كان خارجًا من الممر الغربي : " يا، أنت ! "

لكن سيزار، من دون أن يرد عليه بشيء، دخل إلى غرفة الطعام فحسب. عندها نقر لوجان لسانه مستاءً وهو يراقبه .

" حقًا، هل تجاهل الكلام عادة عند ذلك الوغد ؟ "

عبستُ عند سماعي لطريقة كلامه الفظة : " بما أن كيڤن موجود، ما رأيك أن تختار ألفاظك بعناية أكبر ؟ "

أيّد جاك كلامي وأضاف : " صحيح، مشكلتك أن لسانك فظ أكثر من اللازم، على الأقل من أجل كيڤن، عليك أن تصلح أسلوبك في الكلام."

أومأتُ موافقة على كلام جاك. عندها عقد لوجان حاجبيه وحدّق في كيڤن، فارتجف الأخير قليلاً .

مال لوجان برأسه وسأله : " أيها الصغير، هل كلامي فظ ؟ "

نظر كيڤن إلى ملامحه مترددًا، ثم هزّ رأسه بسرعة .

" لأنك تسأل بهذه الطريقة المخيفة … فمن الطبيعي أن يقول لا."

وبّختُ لوجان بصوتٍ منخفض، فاشتد عبوسه وسأل كيڤن مرة أخرى : " هل أنا مخيف ؟ "

" آه، لا … لستَ مخيفًا ! "

عندها رفع لوجان زاوية فمه كما لو أنه انتصر، ومدّ يده يربّت على رأس كيڤن .

" أرأيت ؟ أين تجد شخصًا لطيفًا مثلي ؟ "

ضحك جاك ضحكةً عالية وكأن الأمر يثير حيرته : " مع أنك لا تبدو كذلك، إلا أن لديك جانبًا لطيفًا فعلًا، أليس كذلك ؟ "

ومن يكون هذا بالضبط … ؟

شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي عند كلام جاك .

ومع كلمات لوجان التي تلت، ابتلعتُ ريقي بصمت : " وأنت أيضًا لطيف أيها العجوز."

… مهما حدث، أتمنى فقط ألا يشبه كيڤن هذا الرجل أبدًا .

ورغم وقاحة لوجان، اكتفى جاك بالضحك بصوتٍ عالٍ .

في تلك الأثناء، كان كيڤن قد أنهى رسمه .

كان وجه شخصٍ يبتسم ابتسامةً عريضة . عيناه، الممزوجتان بعدة ألوان، وكذلك شعره المربوط على شكل ذيل حصان، إذ كان قريبًا من لون عينيه .

لم يكن يبدو أن كيڤن رسم شخصًا من بيننا، إذ لم يكن هناك أحدٌ بوجهٍ نحيل كما في الرسم .

في الواقع، لم أستطع حتى التمييز إن كان المرسوم رجلاً أم امرأة، لكن بما أن معظم الأطفال يرسمون الرجال بشعرٍ قصير، فقد رجّحتُ أنه رسم امرأة .

كان لوجان يتأمل رسم كيڤن بصمت، ثم قال فجأة : " رسم الصغير هو الأفضل."

" … صحيح."

تمتمتُ من دون وعي. عندها مزّق كيڤن الصفحة التي تحمل رسمه من دفتره، و ناولني إياها .

" هذه هدية ! "

تلقيتُ الرسم بارتباك.

" شـ … شكرًا لك."

ابتسم كيڤن ابتسامةً مشرقة وقال : " لأنكِ أكثر شخصٍ أحبه."

عند كلماته، أومأتُ برأسي بحذر .

ضحك لوجان بخفة : " الصغير يعرف حتى معنى الحب ؟ إنه شخص مميز حقًا."

أبعدتُ نظري عن رسم كيڤن وسألتُ لوجان بحذر : " بالمناسبة … هل الجرح في بطنك بخير ؟ "

" … يمكن تحمّله."

" هذا مطمئن."

توقف لوجان للحظة عند كلامي، ثم ما لبث أن أمسك بألوان الشمع وبدأ يرسم لوحةً جديدة .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

جلستُ قليلاً في غرفة الجلوس، ثم نهضتُ من مكاني. فكرتُ في الذهاب لإلقاء نظرة على الباب الشرقي .

لم أكن أتوقع أن أكتشف شيئًا جديدًا، لكن البقاء دون فعل شيء كان يزعجني أكثر .

إلا أنه في تلك اللحظة، توقفت خطواتي عند سماعي صوت كيڤن يناديني من خلفي .

" أختي ! "

اندفع كيڤن نحوي في الحال وأمسك بطرف ملابسي. بدا وكأن لديه ما يريد قوله، فانحنيتُ قليلًا لأكون على مستوى عينيه.

عندها همس قرب أذني : " بخصوص الملف الذي حصلتِ عليه في المرة الماضية … "

وخوفًا من أن يسمعه أحد، خفّض صوته أكثر .

" هل تودّين أن نتبادل الملفات ونطّلع عليها ؟ "

… وكان ما قاله بعد ذلك غير متوقّع بعض الشيء .

تساءلتُ إن كنتُ قد سمعتُ خطأ، فسألته من جديد : " نتبادل الملفات ونشاهدها ؟ "

" نعم."

كان كيڤن يراقب تعابيري بحذر، وكأنه يخشى أن أرفض .

في الحقيقة، لم يكن في التبادل ما يزعجني، لكن … لم يخطر ببالي قط أن يقترح كيڤن بنفسه تبادل الملفات .

" هل أنتَ فضولي لمعرفة ما في ملفي ؟ "

أومأ كيڤن برأسه بخجل . ترددتُ قليلاً، لكنني لم أستطع أن أرفض طلبه .

" حسنًا."

ما إن انتهيتُ من إجابتي حتى أشرق وجه كيڤن فورًا. أمسك بيدي وقادني إلى غرفته. وكما توقعت، كانت غرفته مطابقة لغرفتي في تصميمها .

" …… "

وبينما كنتُ أتفحّص الغرفة بهدوء، بدأ كيڤن يبحث عن ملفه. لم يمضِ وقت طويل حتى أخرجه من أحد الأدراج، وفي الوقت نفسه أخرجتُ أنا الملف من حقيبتي .

" أختي، تفضّلي ! "

ناولني الملف وهو يبتسم ابتسامةً عريضة. وهكذا، في تلك اللحظة، تبادلنا ملفاتنا .

تحوّل ملف كيڤن إلى نافذة نظام شبه شفافة، وظهر أمام عينيّ .

[ ملف تعريف "كيڤن كلينت" ]
(يُحفظ ملف تعريف هذه الشخصية في الحقيبة، ويمكن فتحه مجددًا في أي وقت.) (عند اكتساب معلومات جديدة عن الشخصية، يتم تحديثها فورًا.)
(عدد مرات الاطلاع غير معروف للشخص المعني.)

العمر : 9 سنوات (تاريخ الميلاد: 25 فبراير 1097)
الجنس : ذكر .
الأشياء المفضلة : الشوكولاتة، الحلوى، وغيرها من الأطعمة الحلوة .
الأشياء المكروهة : دانيال كلينت .

… لم يكن شكل ملفه مطابقًا تمامًا لملف فيفيان لوبيز، لكنه احتوى على معلومات متشابهة إلى حدٍّ ما، مصطفّة واحدة تلو الأخرى .

قررتُ أن أعود إلى غرفتي لاحقًا لأتصفّح الملف بتفصيل أكبر، فانتقلتُ إلى الصفحة التالية، لكن ما إن وقعت عيناي على فقرةٍ واحدة، حتى ضيّقتُ عينيّ .

[ مستوى الثقة : 0٪ ]

مستوى الثقة … صفر بالمئة ؟

كنتُ أظن أن ثقته بي قد ارتفعت إلى حدٍّ لا بأس به، خاصةً لأنه كان يتبعني ويقرُب مني كثيرًا .

… كان هذا صادمًا بعض الشيء .

بل في الحقيقة، صادمًا جدًا .

شعرتُ بصداعٍ خفيف يطرق رأسي. لم يخطر ببالي إطلاقًا أن يظهر مستوى الثقة في ملف التعريف .

" أختي، هل انتهيتِ من القراءة ؟ "

انتشلني صوت كيڤن وهو يقترب مني من شرودي بصعوبة. وكان يمدّ لي ملفي .

وخلف ابتسامته البريئة، خُيّل إليّ أن نسبة الثقة الصفرية كانت تطفو في الهواء من حوله .

تكلّفتُ ابتسامة، وأخذتُ منه ملفي .

****************************

الفصل : ٢١

اليوم الرابع - 10/20 (3)

في ساعةٍ متأخرة من الليل، جلستُ أحدّق بصمت في نافذة ملفي التعريفي التي كانت معروضة أمامي .

[ ملف تعريف «فيفيان لوبيز»
يحتوي هذا الملف على معلومات عن الشخصية .
يمكن تبادل هذا الملف مع ملفات أشخاص آخرين للاطّلاع عليها .
سجلّ الاطلاع (3/12)
سجلّ التبادل (1/3) ]

لم يتبقَّ لي سوى فرصتي تبادل فقط … وبما أنني أدركتُ أن تبادل الملفات يتيح لي الاطلاع على مستوى ثقة الطرف الآخر، فقد كان عليّ أن أُحسن التفكير .

ففي وضعي الحالي، لم أكن أستطيع سوى معرفة تغيّر مستوى الثقة لا أكثر .

مررتُ يدي على وجهي بإنهاك .

فمع من ينبغي أن أستخدم فرصتي التبادليتين المتبقيتين ؟

إيان، الذي كانت ثقته بي تتراجع باستمرار ؟ … أم لوجان، الذي ينتهي أحد المسارات معه بمقتلي ؟

لكن بعد أن علمتُ أن ثقة كيڤن - الذي كنتُ أؤمن به - تبلغ 0%، لم يعد بإمكاني الوثوق بثقة أي شخصٍ آخر .

وبينما كنتُ أضم رأسي بين يديّ وأتنهد بقلق، دوّى طرقٌ خفيف على الباب، فرفعتُ رأسي على الفور .

" فيفي، هل أنتِ بالداخل ؟ "

كان صوت آرييل .

نهضتُ من على السرير وفتحتُ الباب .

" ما الأمر ؟ "

كان وجه آرييل شاحبًا. وفي لحظة، تسلل البرد إلى عمودي الفقري .

" الأمر هو … أظن أنه عليكِ أن تأتي معي."

" …… "

كان الظلام قد خيّم بالفعل. ومع أن القلق كان يعصف بي، أومأتُ برأسي موافقة .

وهكذا، ما إن اتجهتُ مع آرييل نحو غرفة الجلوس حتى ……

" إن كنتَ تشكّ بي إلى هذا الحد، ففتّش الغرفة بنفسك ! "

اخترق صوت لوجان الحاد أذني .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

كان كيڤن ينظر حوله في غرفة الجلوس بعينين قلقتين، وما إن رآني حتى اندفع نحوي وعانقني بقوة .

ربتُّ على كتفه بهدوء وسألته بحذر : " ما الذي يحدث ؟ "

وعندها فتح لوكاس فمه بتردّد : " الأمر هو …… "

بدا وكأن الكلمات تأبى الخروج، فمرّر لسانه على شفتيه قبل أن يتحدث بصعوبة : " سكين المطبخ اختفت."

عند سماع ذلك، شعرتُ وكأن قلبي سقط إلى قاع صدري .

… لقد وقع ما كنتُ أخشاه .

فتح سيزار فمه بوجهٍ تبدو عليه علامات الإرهاق الواضحة : " عند الواحدة ظهرًا تقريبًا، عندما تحققتُ منها آخر مرة، كانت موجودة بلا شك."

" وأنا أيضًا رأيتها حين تفقدتُ الأمر قرابة الرابعة."

تعلّقت أنظارٌ قلقة عديدة بالصندوق الموضوع فوق الطاولة .

ثمانية مسدسات، وثماني طلقات - كلها كانت في مكانها، لكن سكين المطبخ وحده، الذي كان ينبغي أن يلمع بنصله الحاد هناك، اختفى .

همست آرييل في أذني : " لوجان هو من اكتشف اختفاء السكين، كان ذلك قرابة التاسعة مساءً."

" لهذا أقول، إن كنتَ تشكّ بي إلى هذا الحد، فلنفتّش الغرفة."

قال لوجان بوجهٍ متجهم وهو يواجه إيان.

رفع إيان نظارته وقال بهدوء : " بالطبع يجب أن نتحقق."

" …… "

" وهذا ينطبق على غرف الآخرين أيضًا."

اتجه نظر إيان نحوي ونحو آرييل : " آنسة لوبيز، و آرييل."

" … نعم ؟ "

" هل تسمحان لنا بتفتيش غرفتيكما ؟ "

سألنا إيان بحذر. وعند كلماته، أومأتُ أنا و آرييل برأسينا بهدوء. فتحتُ شفتي بصعوبة، وكأن الكلمات لا تريد أن تخرج .

" هل تفقّدتم أماكن أخرى ؟ "

أجاب سيزار على سؤالي : " ليس بعد."

" إذًا لنتفرّق ونبحث في بقية الأماكن."

وأضافت آرييل باقتراحٍ هادئ : " إذا انقسمنا إلى مجموعات من شخصين أو ثلاثة، سنتمكن من مراقبة بعضنا البعض، ما رأيكم أن نتحرّك ثنائيات ؟ "

وبناءً على اقتراحها، قسّمنا المناطق التي سنفتّشها.

غرفة الجلوس كانت من نصيبي ونصيب آرييل، أما الممر الغربي حيث تكثر الغرف، فكان من مسؤولية جاك و إيان .

وتوجّه لوجان مع كيڤن إلى المطبخ. أما الباب الشرقي، المختلف عن بقية الأماكن لاحتوائه على فخاخ خطرة، فقد تقرّر أن يتولّى سيزار ولوكاس تفتيشه .

…… وهكذا، تفرّقنا .

بقيتُ أنا وآرييل في غرفة الجلوس وبدأنا التفتيش. وبما أن غرفة الجلوس لا تحتوي على الكثير من الأماكن التي يمكن البحث فيها، توقّعنا ألّا يستغرق الأمر وقتًا طويلاً .

وبينما كانت آرييل تفتّش الخزانة الموضوعة بجانب التلفاز، تمتمت : " بصراحة، لا أظن أنه سيخفي سكين المطبخ في غرفة الجلوس."

" … هذا صحيح."

" لننهي التفتيش سريعًا ونذهب لمساعدة الآخرين."

أومأتُ موافقةً على كلامها .

فعلاً، كما قالت آرييل، من غير المنطقي أن تُخفى السكين في غرفة الجلوس. فهذا المكان هو الأكثر ارتيادًا، كما أنه لا يحتوي على الكثير من أماكن الإخفاء .

ومع ذلك، إن كان لا بد من إخفاء السكين داخل غرفة الجلوس … فأسفل الأريكة سيكون المكان الأنسب .

انحنيتُ وخفّضتُ الجزء العلوي من جسدي لأتفحّص أسفل الأريكة. كان الفراغ تحت الأريكة ضيقًا جدًا بحيث يصعب إدخال اليد.

ضيّقتُ عينيّ محاوِلةً التحديق في الداخل، ثم استسلمتُ في النهاية و رفعتُ رأسي أتفحّص الغرفة مجددًا .

وهنا، وقع بصري على شيءٍ لم يكن غير دفتر الرسم الموضوع فوق الطاولة .

كنتُ أتمنى لو وجدتُ شيئًا أطول من دفتر الرسم، لكن العثور على غرضٍ كهذا داخل القصر لم يكن بالأمر السهل .

في تلك اللحظة، نهضت آرييل فجأة من مكانها .

" آرييل … ؟ "

وحين لم أستطع إخفاء دهشتي، قالت لي بوجهٍ متوتر : " فيفيان، انتظري لحظة ! سأذهب إلى غرفتي سريعًا."

" … ماذا ؟ "

" آه، تركتُ ملابسي هناك."

وبهذه الكلمات، أسرعت آرييل نحو الممر الغربي .

تابعتُ ظهرها بنظرةٍ صامتة، ثم التقطتُ دفتر الرسم وخفّضتُ جسدي مجددًا، وبدأتُ أحرّك أسفل الأريكة باستخدامه .

يبدو أن التنظيف قد تمّ حديثًا، فكان أسفل الأريكة نظيفًا على غير المتوقع. توقّفتُ لحظةً أُبدي إعجابي لعدم وجود ذرة غبار، ثم انتقلتُ إلى الأريكة المجاورة .

وفي اللحظة التي مرّرتُ فيها دفتر الرسم أسفلها مرةً أخرى …

— طَقّ .

" …… "

تفحّصتُ أسفل الأريكة بسرعة، لكن الداخل ظلّ غير مرئي. وبدافعٍ من الشك، أمسكتُ بطرف دفتر الرسم بإحكام و واصلتُ التحريك .

— طَقّ، طَقّ .

شيءٌ ما علق بدفتر الرسم، وبدأ يخرج بصعوبة من أسفل الأريكة.

وكان ذلك الشيء … مما لم يخطر ببالي إطلاقًا .

… شريط فيديو .

كان شريطًا بسماكةٍ تناسب تمامًا الفراغ أسفل الأريكة.

استدرتُ بلا وعي نحو التلفاز، أو بالأحرى، نحو جهاز التشغيل الموضوع بجانبه .

لا يمكن أن يكون … ؟

سارعتُ إلى فتح الخريطة، لكنني لم أرى النقطة الزرقاء التي تشير إلى غرفة الجلوس .

وهذا يعني … أن الأمر ليس دليلاً مهمًا .

إذًا، لا بأس من التحقق منه الآن، أليس كذلك ؟

بعد أن ألقيتُ نظرةً سريعة حولي لأتأكد من عدم وجود أحد، اقتربتُ من جهاز التشغيل وأدخلتُ الشريط في الفتحة. وسرعان ما ابتلع الجهاز شريط الفيديو .

— وميض .

ظهرت إضاءة حمراء في التلفاز الذي ظلّ صامتًا طوال الوقت، لكن رغم تشغيله، لم يتغيّر شيء في الشاشة السوداء .

هل يجب الضغط على زرٍ ما لتشغيل الشريط ؟

غير أن كثرة الأزرار على الجهاز جعلتني عاجزة عن تحديد أيّها الصحيح .

وبينما كنتُ غارقة في حيرتي …

— طَقّ .

انقطعت الكهرباء فجأة عن القصر، وغرق المكان في ظلامٍ دامس .

" ما هذا … ؟! "

" هل الجميع بخير ؟ "

ترددت أصوات مزيج من الذهول والفزع في أرجاء المكان، لكنني لم أستطع أن أفتح فمي للكلام، وظلّيتُ أحدّق في زر الطاقة الأحمر على التلفاز .

ربما لأن هذا الزر كان المصدر الوحيد للضوء في الظلام الدامس، لا أعلم لماذا لم أستطع أن أرفع نظري عنه .

وفي تلك اللحظة، أضاءت شاشة التلفاز فجأة. غطّى النور الأبيض القوي المكان بأسره، فلم أستطع فتح عيني بالكامل، فضيّقتهما بصعوبة .

" لا تتحركوا من أماكنكم، تحسبًا لأي طارئ ! "

دوى صوت جاك من بعيد، لكنني لم أستطع حتى التفكير بالكلام، بل لم يخطر ببالي أن أُصدر صوتًا على الإطلاق .

وسط الشاشة البيضاء، ظهر ظلّ أسود باهت … ما هذا ؟

لكن دهشتي لم تدم طويلاً، إذ بدأت الشاشة تصدر تشويشًا بصوت متقطع، ثم تغير المشهد فجأة .

رأيت سيارة تسير على طريقٍ في الجبال. ولم يمضي وقت طويل حتى أدركتُ المكان .

" …… "

انتشر صوت موسيقى عالية وضوضاء في أذني . الشخص الذي كان يقود السيارة كان يهزّ جسده مع إيقاع الموسيقى، مضاعفًا سرعة السيارة على الطريق .

وفي تلك اللحظة، التقت عيناي بعين امرأة كانت تعبر إشارة مرور على الطريق .

اتسعت عيناها مندهشتين عند رؤية السيارة، وقد انعكس ضوء المصابيح الصفراء في حدقة عينها .

— بـوم !

صدمت السيارة المرأة دون أن تبطئ سرعتها، مباشرة .

لم أستطع حتى التنفس، و ظللتُ محدّقة في الشاشة .

وكأن اللعبة تسخر مني، ظهر فجأة نافذة صغيرة أمامي :

[(◔▾◔)]

في اللحظة نفسها، انطفأت شاشة التلفاز فجأة. وبعد لحظات، عادت أضواء القصر، لكنني لم أستطع أن أرفع بصري عن التلفاز .

هيلين … لماذا … ؟

دوار رهيب اجتاح رأسي. لطالما تمنيتُ رؤية هيلين الميتة مجددًا، لكن ليس بهذه الطريقة .

" فيفيان ! "

تجاهلتُ آرييل التي كانت تجري نحوي، وانسحبتُ في عمق الظلام المطبق، كأنني ابتلعت في هاوية لا نهاية لها .

****************************

شاركوني توقعاتكم و آرائكم حول الرواية، خلونا نتشارك الأفكار و التخمينات .

.

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان