الفصل ٢ و ٣ : عالقة داخل لعبة رعب و تحقيق

اليوم الأول - 17/10 (1)

كانت لعبة 'عزيزتي' مشابهة لألعاب المافيا .

في الوقت الحالي، يبلغ عدد الأشخاص المحتجزين داخل قصر إيرنست ثمانية أشخاص، بمن فيهم أنا و سيزار. ولاحقًا، سينضم أربعة آخرون .

ولكي لا ينكشف أمرها باعتبارها الجانية، كانت فيفيان تقتل، واحدةً تلو الأخرى، الشخصيات التي كانت تشكّل شهودًا ويعلمون بحقيقة كونها القاتلة، وذلك كل ليلة .

آه، هل يعني هذا أن ألبرتو كان يكنّ لفيفيان ضغينة شخصية ؟

لا، لا أذكر أن الأمر كان كذلك . فالسبب هو أن ألبرتو أدخل إلى هذا القصر أيضًا «شهودًا مزيفين» لإخفاء الحقيقة .

وفوق ذلك، كان هناك جاسوس يقف في صفّ فيفيان. وربما كان الجاسوس واحدًا من بين الأشخاص السبعة الموجودين الآن، لكن في هذه المرحلة، لم يكن لدي أي فكرة عمّن يكون ألبرتو، ولا عن هوية الجاسوس الذي قد يساعدني .

لقد مرّ وقت طويل منذ آخر مرة لعبت فيها عزيزتي، وحتى حينها، لم ألعبها بجدية . كانت لعبة تميل إلى الرومانسية أكثر من التحري، وهو ما لم يكن يناسب ذوقي، لذا توقفت في مراحلها الأولى بعد أن غلبني الملل . وبسبب ذلك، لم أكن أتذكر حتى أسماء الشخصيات جيدًا .

لو كنت أعلم أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد … لكنت اجتهدت في إنهائها حتى النهاية .

لو فعلت ذلك، لكنت أدركت سريعًا أن هذا العالم هو عالم لعبة عزيزتي .

لقد مرّ عام كامل منذ أن جُررت إلى داخل هذه اللعبة، ومع ذلك، وبغبائي، لم أدرك طوال تلك المدة أنني عالقة داخل عالم لعبة .

كانت بداية لعبة عزيزتي داخل قصر إيرنست، ولم أكن أعرف شيئًا على الإطلاق عن فيفيان قبل دخولها القصر .

وبالنسبة لشخص مثلي لا يتذكر حتى أسماء الشخصيات، كان من المستحيل أن أربط بين اسم «فيفيان» وحده وبين كون هذا المكان عالم لعبة .

وفوق كل ذلك … في تلك الفترة، لم تكن لدي القدرة الذهنية لاستكشاف هذا العالم . وعندما أدركتُ أخيرًا حقيقة هذا العالم، كان الكثير قد حدث بالفعل .

ومع ذلك، كان هناك جانب واحد على الأقل يبعث على الارتياح : فما إن أدركت أن هذا المكان هو عالم لعبة عزيزتي، حتى بدأت ذكرياتي عن اللعبة تعود تدريجيًا .

صحيح أن وضعي الحالي ليس في صالحي بما أنني الجانية، لكن هذا لا يعني أنني لا أملك معلومات مفيدة .

ولهذا … سأتمكن من البقاء على قيد الحياة .

ما كان مهمًا بالنسبة لي الآن هو أمر واحد فقط : ألا يكتشف أحد أن فيفيان هي القاتلة . فمصير فيفيان داخل اللعبة كان مروّعًا للغاية.

صحيح أنني تركت اللعبة في منتصفها، لكنني فكرت آنذاك على الأقل في معرفة النهاية قبل التوقف، فبحثت عن النهايات فقط .

وعندما رأيت رسومات النهاية، شعرت بصدمة كبيرة . كانت جميع الرسومات المنشورة وحشية إلى حدٍّ لا يُطاق .

في ذلك الوقت ندمت قليلاً على رؤيتها، لكن حين أفكر في الأمر الآن، لا يسعني إلا أن أعدّه أمرًا محظوظًا . فبفضل ذلك، كانت النهاية محفورة في ذاكرتي بوضوح .

ومن بين جميع النهايات، كانت النهاية التي تركت في نفسي الصدمة الأكبر هي «النهاية الحقيقية».

حقيقة أن فيفيان لوبيز هي الجانية، ومصيرها في النهاية .

في تلك النهاية الحقيقية، والتي تُعد في الوقت ذاته نهاية سعيدة، تلقى فيفيان حتفها .

تُعلّق جثتها على الحائط، بينما ينال الجميع — باستثنائها — نهاية سعيدة .

… ليتني أصبحت فيفيان قبل أن تبدأ كل هذه المآسي . لو كان ذلك قد حدث، لما وقعت هذه الأحداث من الأساس، لكن لسوء الحظ، دخلتُ جسد فيفيان بعد أن كانت جميع الجرائم قد وقعت بالفعل .

كانت فيفيان قد ارتكبت جريمة قتل، وكانت جريمة متقنة بلا أي ثغرات . إلى درجة أنني، حتى بعد دخولي جسدها، لم أكن أعلم أنها القاتلة .

في البداية، لم أكن واثقة تمامًا، لكن بعد أن احتُجزنا داخل قصر إيرنست، أصبح أمر واحد مؤكدًا : فيفيان ارتكبت جريمة قتل .

… نعم، هذا هو الأهم في الوقت الحالي .

تخلصتُ بصعوبة من أفكاري المتشابكة، ثم اتجهت بخطاي نحو الممر الغربي .

" … هناك غرف كثيرة."

كان عدد الغرف الموجودة في الممر الغربي اثنتي عشرة غرفة . ست غرف على الجدار الأيسر، وست على الجدار الأيمن . ويبدو أنها الغرف التي سيقيم فيها كل واحد منا أثناء بقائنا في القصر .

" هل هذه … بطاقات أسماء ؟ "

تمتم سيزار وهو يعبث ببطاقة الاسم المثبّتة أمام أحد الأبواب .

كانت بطاقات الغرف على الجهة اليسرى تحمل، تباعًا، أسماء : «لوجان، آرييل، سيزار، لوكاس»،

بينما حملت الغرف على الجهة اليمنى أسماء : «جاك، كيڤن، فيفيان، إيان».

أما الغرفتان الواقعتان في نهاية كل جدار، فلم تكن عليهما أي بطاقات أسماء . يبدو أن الغرف الأربع التي لم تُعلّق عليها بطاقات بعد، خُصصت للشخصيات التي ستظهر لاحقًا .

وبينما كنت أتفقد الغرف، بحثت عن الغرفة التي تحمل اسمي . كانت غرفتي مقابلة مباشرة لغرفة سيزار .

… يا للعجب !.

توقفت خطوات سيزار، الذي كان يتفحص البطاقات ببطء، فجأة أمام باب غرفتي .

" …… "

ألقى عليّ نظرة سريعة من أعلى إلى أسفل، ثم أدار مقبض الباب ودخل إلى غرفتي .

… كنت أظنه سيدخل غرفته أولاً.

تملكني الاستغراب للحظة، ثم تبعته إلى الداخل .

كانت الغرفة عادية . سرير، وحمام، ومكتب وكرسي … غرفة بحجم مناسب لإقامة شخص واحد .

لكن ما كان غريبًا هو وجود مسدس و رصاصة واحدة موضوعة فوق المكتب، إضافة إلى مفتاح أزرق اللون بدا كأنه مفتاح الغرفة .

انعقد حاجبا سيزار وهو يتفقد الغرفة، لكنه سرعان ما استدار متجهًا إلى الغرفة التي تحمل اسمه .

دخلت خلفه، فوجدت أن غرفته مطابقة لغرفتي تمامًا، حتى الأشياء الموضوعة على المكتب كانت نفسها .

الاختلاف الوحيد كان لون المفتاح .

أمسك سيزار بالمفتاح الذهبي، وغرق في تفكير صامت .

" …… "

ثم فجأة، رفع نظره إليّ . كان في عينيه ما يوحي بأنه يريد قول شيء ما، لكنه لم ينطق بكلمة .

كنت أعلم أن لديه الكثير ليقوله لي بعد هذا الفراق الطويل، لكنني لم أرغب في نبش الماضي عمدًا .

وعندما بدأ الصمت الخانق يطبق على أنفاسي، دوّى طرق خفيف على الباب .

— طرق، طرق .

الشخص الذي فتح الباب كان الرجل متوسط العمر الذي التقيناه سابقًا .

" … أعلم أنني أقاطع التحقيق فجأة، لكن هل يمكنكم تخصيص بعض الوقت ؟ "

دخل الغرفة، ويبدو أنه شعر بغرابة الأجواء، فسألني بحذر : " هل أزعجتكم بشيء ؟ "

" لا، لا شيء على الإطلاق، لنذهب."

قلت ذلك وأنا أرسم ابتسامة مصطنعة، ثم خرجت من الغرفة .

* * * * * * * * * * * * * * * * * *

" لا يوجد أمر خطير، فقط رأيت أن من الأفضل أن نتعارف رسميًا."

قال الرجل ذلك وهو يتنحنح قبل أن يتابع : " اسمي جاك جرين، عمري ستة وخمسون عامًا، وأدير حاليًا متجرًا صغيرًا للزهور."

ابتسم جاك ابتسامة خفيفة وأكمل : " أعلم أن الجميع يشعر بالارتباك، لكن في مثل هذه الظروف، أظن أننا بحاجة إلى التعاون."

" … أنت محق."

ابتسم لوكاس موافقًا . ولحسن الحظ، بدا أن القلق الذي كان يعتريه قبل قليل قد خفّ كثيرًا.

" كما ذكرت سابقًا، اسمي لوكاس مور، عمري واحد وعشرون عامًا، ولا أملك مهنة حقيقية، لكنني أعمل كأمين صندوق في أحد المتاجر خلال عطلات نهاية الأسبوع."

كان شابًا ذا شعر أحمر مجعد، و عينين خضراوين تنحنيان بنعومة كلما ابتسم. ورغم تجاوزه سن الرشد، إلا أنه بدا في نظري فتى نقي لم يفقد براءته بعد .

ألقى لوكاس نظرة على آرييل الجالسة إلى جانبه، لكن حين شعر بأنها ليست في حالة تسمح لها بالتعريف بنفسها، تحدث نيابة عنها : " وهذه آرييل هوارد، عمرها اثنان وعشرون عامًا، وهي طالبة جامعية."

انتقلت نظرة جاك إلى سيزار . وعندها، فتح سيزار، الذي كان يستمع بصمت و ذراعيه معقودتين، فمه بهدوء :

" سيزار كوتون، خمسة وعشرون عامًا."

" … سيزار ؟ أشعر أنني سمعت هذا الاسم من قبل … "

تمتم لوكاس باسمه بصوت منخفض، ثم اتسعت عيناه تدريجيًا وكأنه أدرك شيئًا ما.

وبانفعال، قال : " هل أنت … من مكتب كوتون للتحقيقات ؟! "

رمقه سيزار بنظرة ثابتة، وكأن يسأله إن كانت هناك مشكلة، فسرعان ما أشرق وجه لوكاس.

" قرأت عنك في الجريدة ! أنت من حلّ قضية اقتحام مختبر فينيل الأخيرة، أليس كذلك ؟ "

اتسعت عينا جاك بدوره عند سماع ذلك، وبدأ شعور واضح بالاطمئنان يظهر في ملامحه.

" أن يكون بيننا محقق … هذا وحده يبعث على الراحة."

" صحيح ! "

أجاب لوكاس بصوت أكثر إشراقًا، ثم نظر إليّ نظرة هادئة .

راقبت تعبيره قبل أن أجيب : " فيفيان لوبيز، عمري اثنان وعشرون عامًا."

سأل سيزار بنبرة جافة : " ماذا تعملين ؟ "

" … أعمل كممثلة."

أطلق لوكاس تعجبًا قصيرًا : " واو، ممثلة ؟ "

كان الموقف محرجًا أكثر مما توقعت . وزاد الأمر سوءًا حين أطلق جاك صفيرًا مازحًا وهو يثني عليّ بوصف «الممثلة الرائعة».

وللهروب من هذا الإحراج، أسرعت بنظري أبحث عمّن تبقّى، فلم يكن هناك سوى عدد قليل ممن لم يعرّفوا بأنفسهم بعد .

****************************

الفصل ٣ :

اليوم الأول – 17/10 (2)

ألقى جاك نظرة خاطفة على الصبي الصغير الذي كان لا يزال فاقدًا للوعي على الأريكة، ثم عضّ شفته بإحكام .

لكنه أجبر نفسه على إخفاء تعابير وجهه، ثم حوّل نظره إلى الرجل الواقف بجوار الصبي .

" وما اسمك ؟ "

عند سؤال جاك، رفع الرجل نظارته التي انزلقت قليلاً و أجاب : " إيان وايت، أبلغ من العمر خمسةً وعشرين عامًا، وأعمل كاهنًا."

تأملتُ ملامح وجهه ببطء. كان إيان رجلاً يغلب عليه البياض . بشرة بيضاء ناصعة، وشعر أبيض ناصع … لم يكن هناك لون يميّزه سوى عينين أرجوانيتين وشفتين حمراوين، تبرزان بتباين واضح مع بشرته .

كان رجلاً يجمع بين المظهر الذكي والهيبة المقدسة في آنٍ واحد، كدمية زجاجية صاغها حرفي ماهر بعناية متقنة .

قال جاك له بنبرة مازحة : " يبدو أنك شخص ينبغي أن يظهر في وسائل الإعلام."

ارتسمت على وجه إيان ابتسامة خجولة، وبدا أن أطراف أذنيه احمرّت قليلاً .

ويبدو أنه غير معتاد على تلقي الإطراء، إذ سارع إلى تغيير الموضوع : " … بالمناسبة، أذكر أن هناك شخصًا آخر معنا، أين هو الآن ؟ "

آه، صحيح … كان هناك شخص مفقود .

كنت أفكر في احتمال أنه يتفقد القصر، حين خرج شخص من المطبخ في تلك اللحظة .

كان الرجل الذي دخل غرفة المعيشة يحمل في إحدى يديه زجاجة نبيذ، لا أدري من أين عثر عليها .

… هل كان هناك نبيذ في المطبخ أصلاً ؟

حتى لو وُجد، لكنه يشرب منذ اليوم الأول ؟

صحيح أن الوضع لا يُحتمل بعقلٍ صافٍ، لكن … شعرت بشيء من الارتباك .

فتح لوكاس فمه كأنه يريد قول شيء، لكنه ما إن رأى الوشوم التي تغطي جسد الرجل حتى حوّل بصره على عجل . لم يُبدِ إيان اهتمامًا كبيرًا بردة فعله، بينما اكتفى سيزار بقطب حاجبيه .

كان جاك وحده، وقد تلعثم قليلاً، هو من تمكن من الكلام : " هل أنت واعٍ لما تفعله الآن ؟ "

تجاهل الرجل كلام جاك بلا اكتراث، و رفع الزجاجة ليشرب النبيذ جرعات متتالية. تحركت تفاحة آدم في عنقه صعودًا وهبوطًا، وسال النبيذ الأحمر على طول فكه الحاد، ثم أبعد الزجاجة عن شفتيه، ومسح فمه بخشونة بظهر يده .

" انشغل بنفسك."

كان صوته أشبه بزئير وحش . وعندما اقترب من الأريكة، سحب لوكاس آرييل الجالسة إلى جواره بسرعة، موسّعًا المسافة بينهما وبينه.

جلس الرجل على الأريكة جلوسًا فظًا، ثم رفع قدمه بتعالٍ و وضعها على الطاولة .

على عكس إيان، كان رجلاً أسمر البشرة . صحيح أن بشرته في الأصل فاتحة، لكن الوشوم التي تغطيها جعلت من الصعب تمييز لونها الحقيقي .

بوجه حاد كحدّ سكين مصقول، وبوشوم داكنة تمتد حتى عنقه، و ثقوب تملأ أذنيه … كان حضوره وحده كفيلاً بأن يجعل الجو أثقل مما هو عليه .

ومن النظرة الأولى، عرفتُ من يكون هذا الرجل .

… لوجان بارنز .

كان هو الرجل الذي قتل فيفيان في أحد نهايات 'عزيزتي' العشر . وفي اللحظة التي وقع فيها بصري عليه، امتلأ رأسي بصور نهايةٍ مروّعة من رسومات النهاية .

ولكي أتجنب تلك النهاية بأي ثمن، كان لا بد لي من الحفاظ على علاقة ودّية معه. لعلني حدّقت فيه دون أن أشعر، إذ التقت عيناي بعينيه. وفي اللحظة ذاتها، قست نظرته فجأة وكأنها نصل حاد .

" ما الذي تنظرين إليه ؟ "

ما إن انتهى من كلامه حتى أدرت رأسي على الفور .

يا إلهي … أن أرتعب لمجرد النظر إلى وجه شخص، فهذا أمر يحدث لي للمرة الأولى . أخذ قلبي يخفق بعنف، ممتلئًا بالخوف .

سخر لوجان من صمتي بسخرية لاذعة : " هاه ؟ يبدو أنكِ من النوع الذي لا يعرف كيف يرد على الكلام."

" …… "

" لو التقينا في الخارج، لما تجرأتِ على النظر إلى وجهي."

… وكأنني أجرؤ الآن .

ابتلعتُ بقية أفكاري بصعوبة .

حاول جاك، وكأنه شعر بأن أجواء المكان قد تجمّدت مع ظهور لوجان، أن يغير مجرى الحديث : " آه، وبالمناسبة … لاحظت أن بعضكم يعرف بعضًا بالفعل."

انزلقت نظرة جاك نحوي للحظة . لا بد أنه تذكر الأجواء الغريبة التي كانت بيني وبين سيزار في الغرفة .

عندها، أطلق لوكاس ضحكة محرجة وفتح فمه : " أنا و آرييل نعرف بعضنا منذ زمن، نحن صديقا طفولة."

" علاقة جيدة حقًا."

ابتسم جاك ابتسامة خفيفة، ثم رمقني بنظرة جانبية قبل أن يوجه سؤاله إليّ بحذر، وهو ينظر بالتناوب بيني وبين سيزار : " … هل لي أن أسأل عن طبيعة علاقتكما ؟ "

تجمدت للحظة .

… علاقتي بسيزار ؟

درت بعينيّ بحثًا عن إجابة، ثم فتحت فمي بصعوبة : " أنا والمحقق … مجرد … "

في تلك اللحظة، التقت عيناي بعيني سيزار . كانت عيناه الفضيتان غارقتين في عمق هادئ، كبحرٍ سحيق .

لم أُدر بصري عنه، وأكملت كلامي بصوت منخفض : " … معارف."

ومع كلمتي الأخيرة، اهتزت عيناه اهتزازًا خفيفًا . حين أفكر في الأمر، لم يكن كلامي خاطئًا تمامًا، ومع ذلك … شعرت وكأنني قلت كذبة .

ضحك جاك ضحكة عريضة وقال : " فهمت، لا شيء مهم، بدا لي فقط أن الأجواء بينكما توحي بأنكما تعرفان بعضكما جيدًا."

ثم تنهد تنهدًا خافتًا : " لكن على أي حال … ظننت أن التعارف قد يساعدنا على فهم شيء ما، إلا أنني ما زلت عاجزًا عن معرفة المعيار الذي على أساسه تم اختطافنا."

" هاها، صحيح … "

ضحك لوكاس بخجل . وفي تلك الأثناء، التقت عيناي مجددًا بعيني لوجان، الذي كان يحدّق بي منذ لا أدري متى .

ما إن تلاقت نظراتنا حتى شرع بالسعال فجأة، وكأنه اختنق بشيء .

" هـ … هل أنت بخير ؟ "

سألته بصوت مرتبك، لكنه، وهو يسعل، رفع إصبعه في وجهي بحركة فظة.

" …… "

وجدت نفسي أتلقى إهانة بلا سبب. حاولت السيطرة على تعابير وجهي، لكنني لم أكن أعرف كيف بدا وجهي في تلك اللحظة .

وبعد أن هدأ سعال لوجان أخيرًا، فتح فمه : " أنتِ."

" … أنا ؟ "

سألته دون وعي، فردّ عليّ بفظاظة، و وجهه لا يزال محمرًا من السعال : " ومن غيرك أقصد الآن ؟ "

… لكن، هل يستدعي الأمر كل هذا الانفعال ؟

وقد بدا كأنه لا يرغب حتى في التحدث معي، ففرك جبينه المتجهم بيده وسألني : " ما اسمك ؟ "

" فيفيان."

ضيّق لوجان عينيه، و ردد اسمي على مهل داخل فمه. كان سماع اسمي يخرج من بين شفتيه أمرًا غريبًا على نحو غير مريح .

استغربت سؤاله المفاجئ عن اسمي . كدت أسأله إن كان يعرفني من قبل، لكنني آثرت الصمت، خوفًا من أن أتعرض لإهانة أخرى إن تماديت بالسؤال .

وبفضل لوجان، عادت الأجواء إلى برودتها مرة أخرى. عندها، فتح لوكاس فمه بحذر : " على كل حال … يبدو القصر كبيرًا جدًا من النظرة الأولى، هل كان ملكًا لشخصية معروفة ؟ "

كما قال، كان القصر واسعًا بالفعل . كان قصر إيرنست يتمحور حول غرفة المعيشة، وفي الجهة الشمالية، وُجد درج كبير يؤدي إلى الطابق الثاني، وخلف الدرج كان هناك مطبخ متصل بغرفة الطعام .

أما في الجهة الغربية من غرفة المعيشة، فكان هناك ممر، وهو الممر الذي يضم الغرف التي تفقدتها أنا و سيزار .

وفي الجهة الشرقية من غرفة المعيشة، وُجد باب واحد .

وأكمل لوكاس حديثه وهو يتفحص المكان بنظره : " بعد أن توجهتِ أنتِ والمحقق إلى الممر الغربي، ذهبتُ أنا والعم جاك لتفقد الطابق الثاني والباب الشرقي."

" وكيف كان الأمر ؟ "

" للأسف، كلاهما كانا مغلقين."

… كما توقعت، لا يزالان مغلقين .

سألني لوكاس بحذر : " وكيف كان وضع الممر ؟ "

" كانت أبواب الغرف في الممر مفتوحة."

وأضاف سيزار : " … والأمر اللافت هو وجود بطاقات أسماء أمام الغرف."

" بطاقات أسماء ؟ "

أومأ سيزار برأسه بخفة وأكمل : " لم نتمكن من تفقد جميع الغرف بعد، لكن غرفتي وغرفة فيفيان كانتا متطابقتين في التصميم."

تدخل إيان، الذي كان يستمع بصمت، وسأل بهدوء : " هل يعني هذا أنكما لم تتفقدا سوى هاتين الغرفتين ؟ "

" يمكنك قول ذلك."

" إذًا، إن لم يكن هناك مانع، سأذهب لتفقد بقية الغرف."

أيّد جاك اقتراحه قائلاً : " أظن أن التحقيق أولاً هو الأنسب، فلنعد ونتحدث مجددًا بعد أن نجد شيئًا."

اتجه إيان وجاك نحو الممر الغربي . أما لوجان، الذي كان يحمل زجاجة النبيذ، فغادر غرفة المعيشة، وكأنه لم يعد يرى فائدة من البقاء فيها .

نهض لوكاس هو الآخر ليتبعهم ويباشر تفقد القصر، لكنه توقف للحظة، وقد بدت عليه الحيرة، فألقى نظرة قَلِقة على آرييل .

فتحت فمي وتحدثت إليه بهدوء : " سأبقى إلى جانب صديقتك، فاذهب أنت."

تردد لوكاس قليلاً، ثم أومأ برأسه بحذر : " … سأعود بسرعة."

وانطلق مسرعًا نحو الممر . نظرتُ إلى آرييل، التي كانت ترتجف بخفة. كانت شاحبة الوجه، وتبدو هشة على نحو يثير القلق .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان