لا تتحول الحياة إلى فوضى في لحظة واحدة … بل تتحول تدريجيًا .
لكنني أدركت الآن أن الحياة قد تتحول إلى فوضى في لحظة واحدة فقط .
كنتُ أراقب بصمت لوكاس، الذي كان قد دار في أرجاء غرفة المعيشة عدة مرات بالفعل .
وبعد أن ظلّ يتجول ذهابًا وإيابًا لفترة، بدا وكأنه استوعب الموقف أخيرًا، فقبض على رأسه بتعب وملامح متألمة .
" إذًا … ما تقوله هو أننا بحاجة إلى العثور على القاتل من بيننا ؟ "
" … أولاً، حاول أن تهدأ."
تحدث رجل في منتصف العمر بنبرة توحي بالتحكم والهدوء، لكن كلمات الرجل لم تنجح في تهدئة لوكاس . فقد دار عدة مرات أخرى قبل أن يتوقف فجأة، ثم استدار نحونا، وكأن فكرة ما خطرت له فجأة .
" لا، قبل ذلك … إذًا، هل تقول الآن أن هناك قاتلاً بيننا ؟ "
تنهد الرجل تنهدًا خافتًا ثم أجاب : " … نعم، لكنه قال أنه سيفرج عنا إذا عثرنا على ذلك الوغد، لذا لا داعي للقلق كثيرًا."
عند سماعه ذلك، عضّ لوكاس شفته بقوة، وكأنه يحاول كبح دموعه .
ألقيتُ نظرة سريعة إلى خارج النافذة المغطاة بالقضبان .
" …… "
كيف يمكن لحياة الإنسان أن تتعقد إلى هذا الحد ؟
اسمي «فيفيان لوبيز». لكنه ليس اسمي الحقيقي. وحتى هيئتي الحالية ليست هيئتي الحقيقية . لأن «فيفيان» ليست سوى شخصية في لعبة تُدعى 'عزيزتي'.
كانت 'عزيزتي' لعبة تحرٍّ و رعب نالت شعبية لا بأس بها بين محبي هذا النوع من الألعاب .
فقد نجحت في خلق أجواء مرعبة حتى من دون الاعتماد على المفاجآت المبتذلة، كما أن قصتها كانت جيدة إلى حدٍّ ما.
وفوق ذلك، كانت جميع الرسومات داخل اللعبة عالية الجودة على نحو ملحوظ، لكن إن كان هناك شيء واحد مخيب للآمال في هذه اللعبة، فهو …
قالت آرييل، التي كانت جالسة على الأريكة، بصوت مرتجف قَلِق : " قـ … قاتل ؟ "
وعند سماع همستها، فزع لوكاس فجأة و أسرع نحوها. حاول طمأنتها وهو يلف ذراعه حول كتفيها .
… نعم، هذا بالضبط هو العيب الأكبر الذي كنت أراه في 'عزيزتي'.
لعبة تحرٍّ متكاملة، ثم يُضاف إليها عنصر الرومانسية بلا داعٍ . صحيح أن قصة اللعبة كانت تتطلب وجود الرومانسية كي تتقدم، لكن المشكلة تكمن في أنها قصة تدور حول عثور البطلة على البطل، ممزوجة بالغموض .
وكلما رأيت آرييل منشغلة بالحب والمواعدة بدلاً من التركيز على التحري، لم يسعني إلا أن أشعر بكمٍّ هائل من الإحباط .
حتى قبل أن تقع جريمة القتل، كانت آرييل، بطلة القصة، منشغلة بتطوير علاقاتها الرومانسية مع الأبطال الذكور بدلاً من محاولة كشف أسرار القصر .
صحيح أنها بدأت تمارس تحرّيًا حقيقيًا بعد وقوع جريمة القتل داخل القصر، لكن … على أي حال، فجوهر هذه اللعبة يتمحور حول حقيقة واحدة :
لقد وقعت جريمة قتل مروّعة داخل هذا القصر الذي نحن محتجزون فيه الآن . وكان علينا نحن أن نكشف بأنفسنا ملابسات جريمة القتل التي حدثت هنا، وأن نحدّد الجاني .
ولهذا السبب، اختُطفنا على يد شخص مجهول الهوية، و زُجّ بنا داخل قصر إرنست.
كنت أحدّق بصمت في بطاقة الدعوة الباذخة الموضوعة على الطاولة .
[ من : ألبرتو ]
هذا هو اسم الشخص الذي سجننا هنا .
على الأرجح … ليس سوى اسم مستعار .
في تلك اللحظة، فتح سيزار، الذي كان يستند إلى الجدار، فمه بصوت منخفض : " هل لدى أيٍّ منكم فكرة عمّن قد يكون وراء هذا ؟ "
" …… "
لكن لم يُجب أحد على سؤاله. بل الأدق أن نقول : لم يستطع أحد أن يجيب . فالجو الذي خيّم على غرفة المعيشة كان باردًا إلى حدٍّ خانق .
" هيك … "
وأخيرًا، انفجرت آرييل بالبكاء. جلس لوكاس إلى جانبها وبدأ يواسيها بهدوء، إلا أن وجهه هو الآخر كان شاحبًا كمن فقد كل دمائه.
كنت أعلم أن الجميع يمرون بوقت عصيب، لكن ذلك لا يعني أننا نستطيع البقاء مكتوفي الأيدي .
سألت الجالسين في غرفة المعيشة بحذر : " … هل قام أحدكم بتفقد القصر ؟ "
كان وقت استيقاظنا بعد الاختطاف مختلفًا من شخص لآخر. وبحسب ما سمعت، كان لوكاس أول من استعاد وعيه، لكن ترتيب الاستيقاظ لم يكن مهمًا . فاللحظة التي أدرك فيها الجميع حقيقة وضعهم كانت متقاربة .
" لا … ليس بعد."
قال لوكاس ذلك بصعوبة بالغة. وبينما كنت أستمع إلى إجابته، نهضت من مكاني .
" إذًا، لنبدأ بتفقد القصر أولاً."
أكثر ما كان يلفت الانتباه في غرفة المعيشة هو ممرّ طويل يمتد في الجهة الغربية .
اتجهت بخطى بطيئة نحو ذلك الممر، ولحق بي سيزار . وعندما رمقته بنظرة عابرة دون قصد، شعر بنظري فالتفت إليّ، لكنه سرعان ما حوّل بصره مبتعدًا .
شعرت بشيء من الحرج، فحوّلت نظري عنه أنا أيضًا، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ فتح سيزار فمه قائلاً :
" … ماذا كنتِ تفعلين في حياتك حتى تنتهي بك الحال مختطفة إلى مكان كهذا ؟ "
كان صوته يحمل نبرة ازدراء، وكأن اختطافي أمر يثير الشفقة . مع أن وضعه لا يختلف كثيرًا عن وضعي، إلا أن سخريته لم تكن سوى أمر يبعث على الاستياء .
فلم أتراجع، و رددت عليه : " وماذا عنك ؟ "
لكن ما إن خرجت الكلمات من فمي حتى ندمت . كنت بحاجة إلى الحفاظ على علاقة جيدة معه.
وبمحاولة لتدارك الأمر، أتبعت كلامي بقولٍ آخر : " … لم أقصد السخرية."
لم يأتي أي رد من سيزار .
هل انزعج ؟
رغم علمي أنه ليس ممّن يتأثرون بكلمات كهذه، واصلت الكلام بهدوء : " كل ما أتمناه هو أن نعثر على الجاني، وأن ينال جزاءه العادل."
" … حتى من دون أن تقولي ذلك، كنت أنوي فعل ذلك."
وللعلم، فإن أكثر شخص يجب أن أتوخى الحذر منه في هذا المكان … هو هذا الرجل بالذات .
اسمه سيزار كوتون . أشهر محقّق خاص في مدينة تيفرن، و رجل تجمعني به عداوة لا يستهان بها .
آه، ولماذا يجب الحذر من كونه محقّقًا ؟
لأنني أنا …
… مرتكبة جريمة القتل في قصر إرنست .
{ أنا فيفيان لوبيز.}
****************************