مرّت ثلاثة أيام منذ أن حُبستُ في قصر إيرنست .
وبالرغم أنني كنت أنام، إلا أن شعور الإرهاق لم يفارقني قط . مرّرتُ يدي على وجهي و دخلتُ إلى قاعة الطعام، فاستقبلني إيان الذي كان جالسًا هناك .
" لقد استيقظتِ يا آنسة لوبيز."
كانت رائحة الخبز الشهية تملأ المكان وتداعب أنفي .
ابتسم إيان ابتسامة خفيفة وقال : " تفضّلي بالجلوس، سأعدّ لكِ الطعام."
جلستُ بحذر، أراقب حركاته، فبادر بسرعة إلى إعداد الطعام. وفي لحظات وُضع أمامي خبز وقليل من اللحم .
… يبدو أن سؤاله لسيزار عن سكين المطبخ بالأمس كان من أجل إعداد الفطور .
أجبته بصوت متحفظ : " … شكرًا لك."
" هل ترغبين في القهوة أيضًا ؟ "
أومأتُ برأسي، فبدأ إيان بتحضير القهوة . وسرعان ما امتلأت غرفة الطعام برائحة القهوة .
كان ألبرتو، كما قال لوجان، شخصًا يهتم بأمور المأكل والملبس والمسكن على أكمل وجه . فالأدوات اللازمة لإعداد معظم الأطعمة كانت متوفرة، ناهيك عن الأدوية المتراكمة بكثرة في غرفة العيادة …
أخذتُ قضمة من الخبز المدهون بمربى التفاح. كان الطعم الحلو و رائحة التفاح مميزين على نحو لافت .
" تفضّلي بتناول طعامك على مهل."
انحنى إيان لي تحية خفيفة ثم غادر قاعة الطعام. تابعتُ أثره بنظري لحظة قصيرة، قبل أن أركز على طعامي. وبما أن نافذة مستوى الثقة لم تظهر، بدا أن الثقة لم تنخفض أكثر من ذلك .
عندما أتحدث مع إيان، قلبي يخفق بمعنى مختلف .
أنهيتُ طعامي على عجل، وما إن هممتُ بمغادرة القاعة حتى اصطدمتُ بجاك، الذي كان يدخل في تلك اللحظة .
" أوه ! "
" آه، أعتذر ! "
بدت الدهشة على وجه جاك للحظة، ثم ما لبث أن تنفّس الصعداء بعدما تعرف عليّ .
" آه، إنها أنتِ يا فيفيان."
ابتسمتُ له ابتسامة خجولة وحييته : " صباح الخير."
ابتسم بدوره ابتسامة خفيفة وسألني : " هل تناولتِ طعامك ؟ "
" نعم، انتهيتُ للتو."
" حسنًا … "
انحنيتُ له تحيةً وهممتُ بالخروج، لكنه ناداني : " مهلاً … "
ثم أمسك بي. وحين التفتُّ إليه، كان يرسم على وجهه تعبيرًا متكلفًا بعض الشيء وقال : " ما رأيكِ بكأس من الشراب ؟ "
" … شراب ؟ "
في وضح النهار هكذا … ؟
" على أي حال، ليس لدينا ما نفعله، أليس كذلك ؟ "
يبدو أن جاك كان لديه ما يودّ قوله لي. أومأتُ برأسي بحذر موافقةً على كلامه. وما إن تأكد من ردي حتى دخل المخزن وعاد حاملاً زجاجة نبيذ وكأسين. وخلال ذلك، أخرجتُ من الثلاجة بعض الفواكه المجففة لتكون مرافقة للشراب .
وضع جاك زجاجة النبيذ على طاولة الطعام، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة .
" بهذا، تصبح مائدة شراب أنيقة بالفعل."
" صحيح."
" تفضّلي بالجلوس."
أشار بذقنه نحو الكرسي، ثم مال بزجاجة النبيذ ليصبّ في الكأس. انسابت الخمرة الحمراء بصوت خافت وهي تملأ الكأس حتى حافته.
" … هل هناك خطب ما ؟ "
لم أكن أتخيل قط أنني سأشرب مع جاك، فسألته بتحفّظ. هزّ رأسه نافيًا .
" لا … لاشيء "
وحين انتهى من ملء الكأس، ناولني إياه. رفعتُ كأسي واصطدمتُ بكأسه اصطدامًا خفيفًا.
لم نمضي سوى لحظات نتبادل فيها النخب، حتى بدا جاك شارد الذهن، ثم فتح فمه بتردد : " همم … في الحقيقة، هناك ما أردتُ قوله لكِ بخصوص ما حدث بالأمس."
" … بخصوص الأمس ؟ "
" نعم."
رفع جاك الكأس وابتلع ما فيه دفعة واحدة، ثم صبّ كأسًا آخر وأفرغه مجددًا. كان يشرب بسرعة مفرطة، حتى إنني فزعت قليلاً من منظره.
هممتُ بأن أطلب منه التمهّل، لكنه سبقني بزفرة خرجت كأنها تنهيدة ثقيلة : " يبدو أنني ارتكبتُ خطأً في حقكِ."
عند كلماته غير المتوقعة، أخذ بصري يهتزّ ببطء . تناول جاك قطعة من المانجو المجفف وقضمها.
" … أقصد الكلام الذي قلته أمس عن شؤونكِ العائلية."
تجمّدتُ في مكاني .
لا تقل إنّه يقصد …
" بالطبع، من حق كلٍّ منا أن يحترم خصوصياته العائلية، لكن في وضعنا الحالي الذي لا نعرف حتى اسم الضحية، أرى أنّ مشاركة الملفات مع بعضنا البعض هو الخيار الأفضل."
… هل يتحدث عن ما قاله بالأمس ؟
واصل جاك حديثه بصوت هادئ : " يبدو أنني تسرّعتُ في الكلام، وأنا لا أعرف ظروفكِ حق المعرفة."
بادرتُ على عجل قائلة : " ليس هناك ما يستدعي اعتذارك يا عمّ، أبدًا."
لكن جاك اكتفى بهزّ رأسه بهدوء .
" يبدو أنني كنتُ متعجّلاً أكثر من اللازم، ما حدث بالأمس جعل الأجواء تميل، من غير قصد، إلى اتهامكِ أنتِ و لوجان بأنكما الجانيان، وهذا ما أقلق ضميري."
وخزت كلماته شيئًا في أعماقي. ابتسمتُ بتكلّف وقلت : " كان لا بد من الإمساك بالجاني … أفهم ذلك."
" … على أي حال، أتمنى ألا تحملي في قلبكِ شيئًا مما حدث أمس، وكما قلتِ، نحن في وضع يتطلّب أن نتعاون معًا."
قال ذلك وهو يشرب النبيذ، ثم تمتم بصوت مشوب بالمرارة : " في الحقيقة … لقد فقدتُ الكثير من أفراد عائلتي أيضًا."
توقفتُ عند كلماته. وصبّ جاك كأسًا آخر من النبيذ .
" فقدتُ والديّ في العاشرة من عمري، و … في الواقع، فقدتُ ابنتي أيضًا."
وأنا أستمع إليه، ابتلعتُ أنفاسي بصعوبة .
" مع ذلك، ما زلت أؤمن أن الحظ السعيد سيأتي يومًا ما."
ابتسم جاك ابتسامة باهتة .
بينما كنتُ أصغي إلى حديثه، تذكرت 'النهاية الحقيقية' للعبة 'عزيزتي' .
في النهاية السعيدة — تلك التي يُكشف فيها أن فيفيان هي الجانية — ينال جاك خاتمة سعيدة .
و النهاية الحقيقية لـ 'عزيزتي'، في النهاية التي تكون فيها فيفيان وحدها التعيسة. وبعبارة أخرى، فإن كل نهاية تصبح فيها فيفيان سعيدة، تعني أن الجميع سيكونون تعساء .
عضضتُ باطن خدي .
" لذلك، سيأتيكِ الحظ السعيد أنتِ أيضًا."
قال جاك ذلك وهو ينظر إليّ بابتسامة خفيفة .
" أحيانًا أفكّر … لو كنتُ أستطيع إعادة الزمن إلى الوراء، هل كان بإمكاني منع الحادث ؟ على الأقل، لو قتلتُ ذلك الوغد الذي قتل إيبي أولاً … "
تمتم بذلك، ثم رفع رأسه فجأة وكأنه أدرك ما قاله لتوّه .
" … أفهمك."
قبضتُ يديّ الموضوعتين فوق ركبتيّ بإحكام .
حاول جاك أن يلين ملامحه، وتابع حديثه : " وإلا، لكنتُ على الأقل أحسنتُ معاملتها أكثر، و سأفعل أي شيء من أجلها." قالها بصوت مبحوح .
ابتسمتُ له ابتسامة متكلفة وقلت : " لابد أن ابنتك كانت تعلم ذلك كله."
ضحك جاك ضحكة خفيفة : " لا أعلم … كانت تشبه أمّها، فتاة بلا فطنة تُذكر."
وبصوت مازح، ارتسمت ابتسامة تدريجية على شفتيه .
لم أشأ أن أفسد تلك الابتسامة، فاكتفيتُ بأن أضحك معه بهدوء.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
" ما هذا ؟ هل كنتِ تشربين ؟ "
ما إن دخلتُ غرفة المعيشة حتى سألني لوجان، الجالس على الأريكة، بذلك على الفور .
لا يبدو أنني ثملتُ … لكن ربما كنتُ أبدو كذلك .
وضعتُ يدي على خدي .
همم … يبدو أن حرارتي قد ارتفعت قليلاً …
" قليلاً فقط … مع العمّ."
" يا له من أمر يبعث على السخرية، هناك من يكدّ في التحقيق، بينما أنتِ تجلسين بكل راحة تحتسين النبيذ ؟ "
… مع أن المتكلم نفسه لا يبدو منشغلاً بشيء يُذكر . و لوجان، الذي كان قد أفرغ زجاجة نبيذ كاملة منذ اليوم الأول، ليس في موضع يسمح له بإلقاء مثل هذا اللوم .
" ما طعم النبيذ يا ترى ؟ "
تدخّل لوكاس في حديثنا وهو يجلس يأكل البسكويت، وعلى وجهه ملامح فضول شديد. عند كلامه، ضحك لوجان ساخرًا .
" صغير مثلك لن يفهم طعم النبيذ قبل عشر سنوات على الأقل."
عبس لوكاس وأخرج شفته إلى الأمام متذمرًا.
" هاه ؟ ألن تعيد فمك إلى مكانه ؟ "
ولحسن الحظ، بدا أن مشاعر الاثنين لم تتأثر بما حدث بالأمس .
تنفستُ الصعداء في داخلي وأدرتُ رأسي، فالتقت عيناي بأرييل الجالسة إلى جانب لوكاس .
ابتسمت لي ابتسامة محرجة وسألتني : " هل تودّين الجلوس ؟ "
" … نعم."
ذهبتُ وجلستُ إلى جوارها بهدوء .
" هل ترغبين في بعض البسكويت ؟ "
ناولني لوكاس كيس البسكويت. أومأتُ برأسي بتحفّظ، فأشرق وجهه سريعًا وقدّم لي البسكويت .
في تلك الأثناء، بدا أن لوجان قد شعر بالملل، فاتجه نحو التلفاز وبدأ يعبث به هنا وهناك .
وضعتُ قطعة من البسكويت في فمي، كان بطعم حلو تفوح منه رائحة الفانيليا.
عندها، سألني لوكاس بحذر : " كيف الطعم ؟ "
" لذيذ."
" آه ! إذًا، هل آتيكِ بالمزيد ؟ "
سألني لوكاس وعيناه تتلألآن بالحماسة .
****************************
الفصل : ١٧
اليوم الثالث - 10/19 (2)
عند كلماته، ابتسمتُ ابتسامة محرجة وهززتُ رأسي نفيًا . فتغيّرت ملامح لوكاس بوضوح. لم يكن الأمر سوى أنني رفضت قطعة بسكويت، ومع ذلك راودني شعور غريب بأنني اقترفتُ ذنبًا في حقه .
حاولتُ أن أبتسم من جديد وبادرتُه بالكلام : " بالمناسبة … قلتَ إنكما كنتما مقرّبين منذ البداية، أليس كذلك ؟ "
لحسن الحظ، استعاد لوكاس نشاطه و أومأ برأسه .
" نعم، نشأنا في الحي نفسه وكبرنا معًا، آه، وبالمناسبة، يمكنكِ التحدث إليّ براحة."
" حسنًا، إذن لنتحدث براحة نحن الاثنان."
بدت عليه الحيرة للحظة، ثم انفرجت شفتاه عن ابتسامة واسعة .
" حين أصبح أقرب إلى الآنسة فيفيان قليلاً، سأتخلى عن الرسميات تدريجيًا."
… يا له من صريح على نحو لافت .
أومأتُ برأسي بمعنى أن يفعل ما يريحه .
" هل هذا مجرد قطعة للزينة ؟ "
تمتم لوجان، وهو يعبث بالتلفاز .
" لا يعمل، لا كهرباء ولا شيء."
" بما أن هناك جهاز تسجيل بجانبه، يبدو أنه يحتاج إلى شريط فيديو."
" جهاز تسجيل ؟ "
قالها لوجان بنبرة محتارة، فنهض لوكاس من مكانه وأشار إلى الجهاز القابع بجوار التلفاز .
" هذا هو جهاز التسجيل، تضع شريط الفيديو هنا، فيعرض لك الفيديو."
" ما هذا الهراء ….؟ "
تذمّر لوجان، فاكتفى لوكاس بابتسامة محرجة.
غير أن قلقه على ما يبدو دفعه إلى السؤال بحذر : " إن لم يكن الأمر واضحًا، هل أشرحه بطريقة أبسط ؟ "
" هل تعتقد أنني أحمق ؟! أنا أعلم ما هو جهاز التسجيل "
وبينما كان الاثنان يتشاجران على هذا النحو، دخل سيزار إلى غرفة المعيشة . ما إن التقت عيناه بعينيّ حتى بدا وكأنه لاحظ شيئًا، فعقد حاجبيه فجأة .
" …… ؟ "
وبدهشة، اتبعتُ نظره، فرأيت كاحلي وقد احمرّ وانتفخ بشدة . كان ذلك الكاحل الذي التوى في صالة الألعاب بيومنا الأول .
كنت أشعر بنبضه المؤلم طوال الوقت، لكنني لم أتصور أنه قد تورّم إلى هذا الحد. وما إن رآه سيزار حتى أظلم وجهه في لحظة .
" … هل أُصبتِ ؟ "
تعلّقت بي عدة أنظار دفعة واحدة. ارتبكتُ وهززتُ رأسي بسرعة نافية .
" لماذا تكذبين كذبة واضحة إلى هذا الحد ؟ "
قالها سيزار بنبرة لا تخلو من استياء، ثم اتجه بخطوات ثابتة نحو الباب الشرقي .
" هل أنتِ مصابة ؟ "
سألني لوجان، لذا ابتسمتُ ابتسامة باهتة وأجبت : " يبدو أن الإصابة التي تعرّضتُ لها حين سقطتُ قد ساءت قليلاً."
" على أي حال … الإنسان يُحكم عليه من شكله، بملامحكِ الغبية، لا عجب أنكِ تتعثرين."
كان لوجان بارعًا فعلاً في انتقاء كلماته … بسوء .
قالت أرييل وهي تنظر إلى كاحلي بنبرة متفاجئة : " إنه متورّم كثيرًا."
" لا بأس، لا يؤثر على المشي."
" لكن …… "
لم تمضِ سوى لحظات حتى عاد سيزار. بدا أنه ذهب إلى غرفة العيادة، إذ كان يحمل معه صندوق الإسعافات الأولية .
جثا أمامي على ركبة واحدة، ونزع حذائي بمهارة. تفحّص كاحلي ثم سألني بحذر : " … هل يؤلمكِ ؟ "
" لا، لا بأس."
عقد سيزار حاجبيه. هززتُ كتفيّ مؤكدة أنني بخير حقًا، لكنه كان ينظر إليّ بعينين لا تصدّقان شيئًا . تنفّس بعمق، ثم ضغط بإصبعه على كاحلي بقوة .
هذا الرجل … منذ المرة السابقة وهو يفعل هذا دائمًا …
عضضتُ على أسناني بصعوبة، كاتمةً أنيني : " حتى الجلد السليم سيتألم إن ضغطتَ عليه بهذا الشكل."
" مؤسف حقًا."
قالها ببرود، ثم أخرج ضمادًا من صندوق الإسعافات .
" …… "
وبينما كان يمسك بكاحلي، لم أجد ما أفعله سوى أن أدير عينيّ في صمت، لكن … هل أنا وحدي من يشعر بالحرج في هذا الموقف ؟
كانت الأنظار الموجهة نحوي ونحو سيزار ملحّة إلى حدّ مزعج .
أدرتُ رأسي فالتقت عيناي بلوجان، فسارعتُ بتحويل نظري .
وفي اللحظة نفسها، رفع لوجان صوته : " آه، كاحلي يؤلمني أنا أيضًا كثيرًا."
ثم وضع قدمه على الطاولة بفخر وحرّكها ذهابًا وإيابًا. ومع ذلك، لم يصدر عن سيزار أي رد، فضحك لوجان بسخرية .
" يا للعجب … قدم شخص تُعدّ قدم إنسان، وقدم شخص آخر مجرد قدم حيوان كريه الرائحة ؟ "
عند سخريته، أطلق سيزار، الذي كان يلفّ الضماد حول كاحلي، زفرةً عميقة. وحين أدار رأسه إليه بنظرة باردة، رفع لوجان كتفيه بخفة، كأنه يتساءل عمّا إذا كان هناك ما يزعجه .
ما إن أنهى سيزار تضميد كاحلي حتى نهض من مكانه، ثم رمى صندوق الإسعافات نحو لوجان الذي كان يشتكي من كاحله، وغادر غرفة المعيشة .
ظلّ لوجان يحدّق في ظهره لحظة، ثم التفت إلينا وهمس : " هذا الوغد … بما أنه عديم الإحساس إلى هذا الحد، فلا بد أنه لم يخض علاقة عاطفية حقيقية قط، أليس كذلك ؟ "
أدار لوكاس عينيه في دوائر، ثم أومأ بحذر : " همم … ربما قليلاً ؟ "
" طبعًا، من سيقبل بشخص متحجّر، ومغلق الفكر إلى هذا الحد ؟ "
توقفتُ عند كلماته لحظة، ثم تظاهرتُ باللامبالاة والتقطتُ وسادة كانت موضوعة على الأريكة .
" المرأة التي ستقابل رجلاً كهذا ستكون مثله."
قال لوجان ذلك وهو ينقر لسانه كمن يرى الأمر واضحًا تمامًا .
" في النهاية، الأشخاص المتشابهين ينجذبون لبعضهم البعض."
…… كفى !
" ذوق المحقق في النساء هو نوعًا ما … همم … "
أرجوك، توقّف !
شدَدتُ الوسادة التي بين ذراعيّ، وارتسمت على وجهي ابتسامة متكلفة .
" أمم …… "
ما إن بدأتُ بالكلام حتى اتجهت أنظار لوجان ولوكاس إليّ في آن واحد.
سألني لوجان بصوت جاف : " ماذا ؟ "
" أ … الأمر ليس مهمًا جدًا، لكنكم قلتم إن المسدسات والسكاكين التي جمعناها في اليوم الأول وُضعت في المخزن … أين وُضعت تحديدًا ؟ "
طمأنني لوكاس قائلاً : " آه، هي في المخزن، كلها داخل صندوق أحمر يُرى مباشرة عند الدخول."
" صندوق … ؟ "
ثم سألتُ بحيرة : " ألم يتم تفقد الصندوق ؟ "
" قال المحقق و لوجان إنهما يتناوبان على تفقده."
عندها بدا على لوجان تعبير الإدراك المفاجئ وقال : " آه، صحيح … لم أتحقق منه اليوم."
" مـ … ماذا ؟ "
تحدث لوكاس بصوت متردد، فنهض لوجان فجأة واتجه نحو المخزن .
" يمكنني التحقق الآن، ما المشكلة في ذلك ؟ "
وبينما كنا نراقب ظهره، تمتمت أرييل بنبرة مشككة : " هل من الصواب فعلاً أن نترك الأمر له … ؟ "
ابتسم لوكاس ابتسامة محرجة وقال : " نحن أيضًا نتفقده باستمرار، لذلك لا بأس."
وبينما كنتُ أتلفت حولي، لمحتُ إيان و سيزار يدخلان من الباب الشرقي . حدّقتُ فيهما للحظة بدهشة لهذا الجمع غير المتوقع، ثم أعدتُ بصري عند سماعي وقع خطوات لوجان العائد من المطبخ .
عاد لوجان وجلس على الأريكة جلوسًا ثقيلاً .
فسألته أرييل بحذر : " هل هناك شيء مفقود ؟ "
" لا."
قالها وهو يحرّك قدمه بخفة .
" فلو اختفى أي شيء من هنا، فهذا يعني أن أحدنا سيموت في ذلك اليوم."
كان لدى لوجان قدرة غريبة على قول الكلمات المروعة وكأنها أمور عادية .
عند كلامه، عبست أرييل للحظة، ثم أزالت البطانية التي كانت تغطيها .
" أنا أشعر ببعض التعب، سأذهب أولاً إلى الداخل."
" … هل أنتِ بخير ؟ "
سألها لوكاس بقلق واضح، فأجابت بابتسامة وكأنها بخير . بالطبع، مهما حاولت أن تبدو بحال جيدة و وجهها شاحب، فالأمر لم يكن مقنعًا تمامًا .
حدّقت في ظهر أرييل لبعض الوقت، ثم سألت لوكاس : " بالمناسبة، أين ذهب كيڤن ؟ "
" آه، ربما يكون في غرفته."
عند كلامه، نهضت من مكاني. فتساءل لوكاس بدهشة : " هل ستذهبين لرؤيته ؟ "
" نعم، فأنا لم أره طوال اليوم."
ربما كان لوجان يستمع إلى حديثنا أيضًا، إذ نهض فجأة من مكانه.
حدّق فيه بصمت، فسألني : " ماذا ؟ هل لديكِ مشكلة معي ؟ "
" أنا لم أقل شيئًا بعد … " أجبت بصوت هادئ لأحافظ على رباطة جأشي .
حدّق لوكاس في لوجان قائلاً بدهشة عميقة : " أوه ؟ هل أنت أيضًا ذاهب لرؤية كيڤن ؟ "
" …… "
لم يأتِ رد، لكن بدا أن لوجان ينوي بالفعل الذهاب إليه.
حين خرجتُ من غرفة المعيشة برفقة لوجان، سُمعت ضوضاء من جهة الباب الشرقي . بدا وكأن صوت كيڤن يعلو بين الحين والآخر .
ولم أستطع منع نفسي من توجيه بصري نحو الباب الشرقي، فتوقفت خطوات لوجان الذي كان يسير بجانبي على الفور .
" … هل هناك شيء ما ؟ "
****************************