استجمعت شجاعتي بصعوبة، وضغطت بقدمي بقوة على الجهة المقابلة من اللوح الخشبي. عندها ارتفع اللوح قليلاً، وما لبث أن تكوّن فراغ يكفي لخروج مقلة العين منه .
بدأت مقلة العين تتلوّى، وهي تنتزع جسدها العالق بين الألواح الخشبية شيئًا فشيئًا . وبعد أن تحرّرت تمامًا من الشق بين الألواح، راحت تهزّ جسدها، كما يفعل حيوان مكسوّ بالفرو حين ينفض الماء عنه .
" …… ! "
تطايرت قطرات الدم في كل اتجاه، فانتفضتُ رعبًا، لكن ذلك لم يدم سوى لحظات، فما إن نفضت مقلة العين ما علق بها من دم، حتى بدأت تقفز نحوي بخفة .
ككرة مطاطية ترتدّ، كان ارتفاع قفزاتها أعلى مما توقعت .
… ما، ما هذا ؟
لِـمَ يحدث هذا فجأة ؟ هل أخطأتُ في الاختيار، يا ترى ؟
تراجعتُ إلى الخلف بخطوات متعجلة. ورغم علمي بوجود فخ خلفي، لم أستطع منع نفسي من التراجع .
وكأنها أدركت خوفي، توقفت مقلة العين التي كانت تقترب مني فجأة عن الحركة، ثم راحت تحدّق بي مباشرة، قبل أن تبدأ بالرمش بجنون وبسرعة فائقة .
ما الذي يحدث بحق خالق الجحيم ؟!
" لـ، لنتحدث، حسنًا ؟ هيا، اهدأ قليلاً، من فضلك … "
كنت أتمتم بهذه الكلمات بصوت مختنق بالبكاء، في حالة من الارتباك التام، ثم فجأة …
[ إنّ 'العين الملطخة بالدماء' تشعر بالامتنان لك لإنقاذك لها. كمكافأة، ستحصلين على محبة 'العين الملطخة بالدماء'.]
… محبة ؟
تجمدتُ للحظة وأنا أحدّق في نافذة النظام، ثم حوّلت نظري إلى العين التي تقف خلفها . تشبثتُ بعقلي بكل ما أوتيت من قوة، و واجهتها مجددًا، فلم يبدو أنها تنوي إيذائي.
أوه … يبدو أنني اخترت الخيار الصحيح، على ما أظن .
رفعتُ بصري إلى الأعلى بعينين دامعتين.
… لكن، أهذا ما يُسمّى مكافأة ؟ ألا يوجد … أي عنصر آخر ؟
وكأن الإجابة كانت بالنفي، إذ عادت تقفز بخفة، ماضية في طريقها غير آبهة. وما إن ابتعدت مقلة العين عن مجال رؤيتي، حتى سقطتُ على الأرض جالسة بلا وعي، فقد شعرت بضعف في ساقيّ .
ما الذي حدث الآن … ؟
عانقتُ ذراعيّ بيدين مرتجفتين. كان هواء غرفة الألعاب، الذي كان طبيعيًا قبل قليل، قد أصبح باردًا كبرد منتصف الشتاء .
" … آنسة لوبيز ؟ "
في تلك اللحظة، ناداني أحدهم من جهة الباب. وعندما اخترق صوت إنسان مسامعي فجأة، شهقتُ بخفة و أدرت رأسي نحو مصدر الصوت .
… كان إيان .
اتسعت عيناه تدريجيًا ما إن رآني، ثم سألني بصوت قَلِق : " هل حدث لكِ أمرٌ ما ؟ "
حين أدركت أنني لست وحدي في هذا المكان المفعم بالخوف، بدأ التوتر يتلاشى من جسدي. وبسؤاله، هززت رأسي نفيًا بهدوء .
اقترب إيان من الفخ، ومدّ يده نحوي .
" … سأمسك بكِ، اقفزي."
لكن، ورغم نبرة صوته اللطيفة، لم أستطع النهوض من مكاني .
" آنسة لوبيز ؟ "
ناداني بحذر .
" … أنا بخير."
على كلماته، أومأت برأسي بصعوبة. لم يكن بإمكاني الجلوس هنا إلى الأبد .
شدّدتُ العزم، وبذلت كل ما لديّ من قوة في ساقيّ المرتخيتين. ربما لأن التوتر خفّ قليلاً، بدأت القوة تعود إليهما شيئًا فشيئًا .
قبضتُ يديّ بإحكام، ثم نهضت من مكاني، لكنني، مع ذلك، لم أستطع أن أقرر عبور هذا الفخ . فالتواء كاحلي كان مشكلة، وحالتي المذعورة كانت مشكلة أخرى .
… وأهم شيء، على الأرجح، هو سوء حظي في اللياقة البدنية .
كان إيان يراقبني بصمت، ثم فجأة سحب يده التي كان قد مدّها نحوي .
هل ينوي أن يتركني خلفه ؟
اتسعت عيناي فزعًا، لكن ذلك لم يدم طويلاً، إذ جمع إيان يديه فجأة وبدأ بالصلاة .
" …… "
تساءلتُ في داخلي، هل سيقيم طقسًا الآن ؟ واكتفيت بتدوير عينيّ في صمت .
وبعد قليل، فتح إيان عينيه ببطء، وكأنه أنهى صلاته، ثم تكلّم بصوت هادئ، وكأن الأمر قد حُسم .
" لقد دعوت الحاكم."
" … بدا الأمر كذلك فعلاً."
" دعوتُ أن يُحيطكِ بعنايته، حتى لو فقدتِ حياتكِ أثناء عبوركِ هذا المكان، لذا لا داعي للقلق."
أوه … لم أكن أتوقع أن يكون الأمر طقسًا حقيقيًا .
وحين رأى ملامحي التي بدأت تتصلّب تدريجيًا، فتح إيان فمه مجددًا .
" كنتُ أمزح."
… هل فقد عقله ؟ في موقف كهذا، يطلق نكتة كهذه ؟
كان يمتلك موهبة مدهشة في جعل المزاح يبدو غير مزاح على الإطلاق .
مدّ إيان يده نحوي، وفتح فمه بملامح جادّة تمامًا .
" في الحقيقة، دعوتُ من أجل سلامتكِ، يا آنسة لوبيز."
" …… "
" مهما حدث، سأمسك بكِ حتمًا، لذا يمكنكِ القفز وأنتِ مطمئنة."
الآن بعد أن فكّرتُ في الأمر، ألم يقل إيان من قبل إنه كاهن ؟ ربما لهذا السبب، بدا لي أن الفوضى التي تعصف بقلبي قد هدأت قليلاً .
أخذتُ نفسًا عميقًا في داخلي، ثم تراجعتُ خطوة عن حافة الفخ، وبعدها قفزتُ بكل ما أوتيت من قوة .
" …… ! "
نـ، نجحت !
أمسكت يد إيان القوية بيدي السليمة بإحكام. كانت المسافة بيننا قريبة أكثر مما ينبغي .
حين تلاقت نظراتنا، اتسعت عينا إيان قليلاً، لكن ذلك لم يدم سوى لحظة، إذ ارتسمت على شفتيه ابتسامة تحمل شيئًا من الرضا .
" … أحسنتِ."
وكأنه عازم على ألا يتركني اسقط، شبك أصابعه بأصابعي .
وحين تمايل جسدي دون قصد، إذ لم أستطع تحميل كاحلي المصاب أي وزن، لفّ إيان ذراعه حول خصري، ثم، وكأنني لا أزن شيئًا، حملني بين ذراعيه ونقلني إلى مكان آمن .
ومن خلف طبقة رقيقة من قميصه القطني، شعرتُ بوضوح بعضلاته المشدودة . أنزلني على الأرض بحذر بالغ، كما لو كنتُ قطعة ثمينة.
" … شكرًا لك."
تمتمتُ بكلمات الامتنان، وابتعدتُ عنه خطوة.
" …… "
رغم عبوري الفخ بسلام، كان جسدي لا يزال يرتجف . لم يكن ذلك بإرادتي، ومع ذلك، لم يبدُ أن الارتجاف ينوي التوقف .
ولعل إيان لاحظ ذلك أيضًا، إذ تردد لحظة وكأن لديه ما يريد قوله، ثم اقترب مني، و ربّت على ظهري ببطء بكفه الكبيرة .
" لقد انتهى الأمر الآن."
" … نعم."
لكنني لم أكن بخير .
فمع كل ربّتة من يده، كان الارتجاف يشتد أكثر .
لأن تلك اليد … كانت تشبه إلى حدٍّ مخيف اليد التي دفعتني قبل قليل إلى داخل غرفة الألعاب .
لكن لا، لا بد أن هذا مجرد وهم … لم يكن لدى إيان أي سبب ليدفعني نحو الفخ .
أخذتُ أزفر أنفاسي ببطء، مبتعدة عنه .
" أ … أنا بخير الآن."
عندها، ارتسم على وجه إيان ابتسامة خفيفة، كمن شعر بالارتياح .
" يا للراحة."
انحنى إيان والتقط الصندوق الموضوع إلى جواره. وحين وقعت عيناي عليه دون وعي، لاحظ ذلك وقال : " الغرفة المجاورة كانت عيادة، وجدتُ فيها بعض الأدوية المفيدة، فأحضرتها معي."
وأنا أستمع إلى حديثه، خطوتُ نحو العيادة .
فتح إيان فمه بنبرة يغلّفها القلق : " آنسة لوبيز، أظن أنه من الأفضل أن نبدأ بالعلاج أولاً."
" لا بأس."
وبنظرة واحدة، بدا واضحًا أن العيادة أصغر بكثير من غرفة الألعاب . حتى السرير الملاصق لأحد أركانها كان صغير الحجم، لا يكفي ليستلقي عليه سيزار أو لوجان براحة .
وأنا أتفقد المكان، تمتمتُ دون وعي : " هناك … كمية كبيرة من الأدوية."
ولم يكن ذلك غريبًا، فإحدى جدران العيادة كانت ممتلئة بالكامل بالأدوية. خلف خزائن زجاجية شفافة، بدت أنواع الأدوية هائلة حتى بنظرة عابرة .
وبينما كان جاك يتفحص الأدوية، قال بصوت غير مبالي : " ليست أدوية متخصصة بقدر ما هي أدوية إسعافات أولية يمكن لعامة الناس استخدامها، يبدو أن ألبرتو ذاك، كان يملك بعض الضمير، خلافًا لما توقعت."
… بصراحة، بالنظر إلى هذا الكم الهائل من الأدوية، لم يكن بوسعي إلا أن أوافقه الرأي .
أي خاطف يضع كل هذه الأدوية ؟
كان مجنونًا … لكن بمعنى إيجابي .
وبينما أبحث بعينيّ عن لوجان الغائب عن الأنظار، سألتُ إيان : " بالمناسبة، أين الرجل الذي جاء معنا ؟ "
" أظنه في غرفة المعيشة."
" آه، فهمت."
أومأ إيان برأسه قليلاً، ثم قال لجاك : " إذًا سنغادر نحن أولاً، خذ وقتك في البحث."
كنت أستمع إلى حديثه دون تركيز، لكنني توقفت فجأة .
مهلاً لحظة … هل قال "نحن" ؟ هل عليّ أن أخرج أنا أيضًا ؟
صحيح أنني كنت قلقة بشأن كيڤن الموجود في غرفة المعيشة، لكنني كنت أرغب أيضًا في تفقد العيادة أكثر .
" افعلوا ذلك، سأبقى قليلاً وأتفقد الأدوية أكثر."
" آنسة لوبيز، لنذهب."
قال إيان ذلك وهو يرفع حقيبة الإسعافات الأولية بيده .
****************************
الفصل : ٩
اليوم الأول - 17/10 (8)
كنتُ أفضّل أن أبدأ بالتحقيق بدلاً من العلاج، لكن ……
في النهاية، خرجتُ خلفه من الباب الشرقي. وما إن تجاوزناه حتى توجهنا مباشرة إلى غرفة المعيشة. كان الجو داخلها أكثر كآبة مما كان عليه سابقًا، إلى درجة لا يمكن مقارنتها .
لاحظتُ أن كيڤن، الذي كان ممددًا على الأريكة، قد اختفى، فاكتفيتُ بتحريك عينيّ بهدوء. كان إيان يحرّك شفتيه بقلق، وكأنه متردد في الكلام، قبل أن يفتح فمه بحذر .
" ذلك الصراخ قبل قليل … "
" قالوا إن الصبي أصيب بنوبة."
جاء رد سيزار جافًا، بلا أي انفعال . وعندها، فتح لوكاس فمه بصعوبة، وملامحه توحي بأنه على وشك البكاء .
" لذلك … قمتُ بإفقاده الوعي، لكن … لا أعلم إن كنتُ قد تصرفتُ بشكل صحيح … "
أنزل رأسه وهو عاجز عن إخفاء ملامح الألم على وجهه. فاقترب منه إيان بهدوء، محاولاً تهدئته .
" لا بأس، لقد فعلتَ ما بوسعك."
وبما أن لوجان لم يكن حاضرًا أيضًا، بدا واضحًا أنه أخذ كيڤن إلى إحدى الغرف. وضع إيان الصندوق الذي كان يحمله فوق الطاولة، ثم أخرج منه علبة دواء وناولها إلى لوكاس .
" تحققتُ من المكونات، إنه مهدئ، ظننتُ أنه سيكون مناسبًا لصديقتك."
" آه، شكرًا لك."
ما إن تسلّم لوكاس الدواء حتى التفت إلى أرييل، التي كانت جالسة، وقال لها : " سأذهب لإحضار بعض الماء، انتظري قليلاً."
وقبل أن يُكمل كلماته، تشبثت أرييل بطرف ملابسه على عجل .
" أ … أريد الذهاب معك."
بدت الدهشة على وجه لوكاس للحظة، لكنه سرعان ما ابتسم وأومأ موافقًا .
… أتمنى أن يساعد المهدئ قليلاً في تحسين حالتها .
تابعتُ بنظري ظهريهما وهما يتجهان نحو المطبخ، إلى أن أعادني صوت إيان الذي يناديني إلى الواقع .
" آنسة لوبيز ؟ "
" … نعم ؟ "
" تعالي واجلسي هنا."
كان وجه إيان، وهو يواجهني، هادئًا على نحو لا يصدق، وجه شخص لا يمكن أن تصدق أنه دفع أحدًا قبل قليل. ومن خلف عدسات نظارته، كانت عيناه تحملان نظرة مؤمن متدين. وأمام ملامحه الوقورة، شعرتُ وكأن شكوكي نحوه كانت حماقة محضة .
ما إن جلستُ أمامه بحذر، حتى جثا إيان على إحدى ركبتيه، وأمسك بيدي ليبدأ في معالجتها. كانت حركاته أكثر مهارة مما توقعت .
وفي تلك الأثناء، رفعتُ رأسي على صوت سيزار القادم من جانبي .
" تبدين شاحبة، هل حدث أمر ما ؟ "
ترددتُ للحظة .
" هل هناك مشكلة ؟ "
… في الحقيقة، كانت هناك مشاكل كثيرة .
تنحنحتُ بخفة، وانتقيتُ كلماتي بحذر .
" ليس شيئًا مهمًا، لكن … حين سقطت الثريا سابقًا."
حتى أثناء حديثي، لم تتوقف يدا إيان عن العمل. ابتلعتُ ريقي، و راقبتُ رد فعله عن كثب .
" في الحقيقة، في ذلك الوقت … دفعني أحدهم من الخلف فسقطت."
وفي تلك اللحظة، توقفت يد إيان فجأة، ثم رفع رأسه وكأنه يشك في أنه سمعني جيدًا .
" … ماذا قلتِ للتو ؟ "
بدا على وجهه علامات صدمة صريحة . حدّقتُ في ملامحه، وقد اجتاحني الارتباك .
… هل كنتُ مخطئة ؟
لو فكّرتُ بالأمر بهدوء، لوجدتُ أنني في تلك اللحظة كنتُ مذعورة للغاية. فضلاً عن ذلك، لم أكن متأكدة من أنني أتذكر حجم اليد التي دفعتني بدقة .
كما أن حجم يديّ سيزار و إيان كان متقاربًا أيضًا. ولو أن سيزار هو من ربت على ظهري بدلاً من إيان، لربما اعتقدتُ أن سيزار هو الفاعل .
يبدو أن كلماتي كانت صادمة فعلاً، إذ ساد الصمت من جهة سيزار لفترة. وبعد أن مضى بعض الوقت، فتح فمه أخيرًا، وقد بدا غارقًا في التفكير .
" في الوقت الحالي … من الأفضل أن يبقى هذا الأمر بيننا فقط."
تنهد تنهدًا خافتًا، ثم تابع : " الجميع في حالة سيئة، ولو أثرتِ هذا الموضوع الآن، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الارتباك."
تعلّقت عيناه الهادئتان بي : " سأبحث في الأمر بشكل منفصل، عليكِ فقط أن تنتظري."
" … شكرًا لك."
رغم ذلك، لم يزُل الشعور بالقلق من داخلي. فلو كان الشخص الذي دفعني إلى الفخ هو سيزار، فذلك يعني أنني أتحرك داخل قبضته دون أن أشعر .
يبدو أنه لا خيار أمامي سوى أن أتحقق من الأمر بنفسي .
على أي حال … نظرتُ إلى أرييل، التي عادت من المطبخ بعد تناولها المهدئ . كان واضحًا على ملامحها أنها بحاجة إلى الراحة .
توجهتُ إلى سيزار بسؤالٍ حذر : " هل يمكنني أن آخذ أرييل إلى غرفتها أولاً ؟ "
كنتُ أذكر أرييل، لكن في الحقيقة، كنتُ أنا أيضًا أرغب في العودة إلى الغرفة. كنتُ أشعر وكأنني على وشك الانهيار في أي لحظة .
" لا حاجة لأن تطلبي إذنًا في كل مرة، افعلي ما تريدين."
قال سيزار ذلك وهو ينظر إلى الظلام الدامس خلف النافذة، ثم أضاف بصوت هادئ : " … يبدو أن الجميع قد أُنهك اليوم، من الأفضل أن نخلد إلى الراحة."
اقتربتُ من أرييل العائدة من المطبخ، ومددتُ يدي نحوها .
" سأوصلكِ إلى الغرفة."
ترددت أرييل للحظة قصيرة، ثم أمسكت بيدي. كانت يدها التي تشابكت مع يدي باردةً على نحو لافت .
" آه … آنسة فيفيان."
تقدم لوكاس نحوي بملامح يملؤها الاعتذار. حاولتُ أن أرسم ابتسامة مطمئنة له.
" سآخذ الآنسة أرييل إلى غرفتها."
" … إذًا، سأترك الأمر لكِ."
يبدو أن لوكاس رأى أن تولّي امرأة أخرى رعايتها سيكون أفضل لها.
أسندتُ أرييل وساعدتها حتى أوصلتها إلى غرفتها .
وحين وصلنا، أجلسْتُها على السرير وفتحتُ فمي بحذر : " … قد يكون الأمر صعبًا جدًا، لكن دعينا نحاول تجاوزه معًا."
كان هناك سبب وجيه لاضطراب أرييل إلى هذا الحد. فهي كانت تعاني من كوابيس حتى قبل أن تُختطف إلى هذا المكان .
كانت شاشة البداية للعبة 'عزيزتي' مزينة بكابوسٍ غامض يخص أرييل. ومع استيقاظها من ذلك الحلم، تبدأ اللعبة فعليًا .
وهنا تحديدًا، داخل قصر إيرنست، حيث تكون محتجزة . ربما كانت أرييل، حتى الآن، ترى هذا المكان امتدادًا لذلك الكابوس .
" … إذًا، ارتاحي الآن."
أومأتُ لها برأسي قليلاً، ثم استدرتُ متجهة نحو الباب، لكن في تلك اللحظة، أمسكت أرييل بيدي مانعةً إيّاي من الخروج .
" اسمكِ … فيفيان، أليس كذلك ؟ "
تركتُ مقبض الباب الذي كنتُ قد أمسكته، وأجبتها : " نعم، يمكنكِ مناداتي فيفي، أو إذا كان ذلك غير مناسب، يمكنكِ مناداتي باسم عائلتي."
" … إذًا، هل أستطيع أن أناديكِ فيفي ؟ "
" سيشرّفني ذلك."
على كلماتي، ارتسمت ابتسامة خافتة على وجه أرييل .
" … اسمي أرييل هوارد، يمكنكِ أن تناديني إيل."
ترددت قليلاً، ثم أضافت بصوتٍ خفيض : " وكذلك … يمكنكِ التحدث معي بأسلوب غير رسمي."
" حسنًا، إيل."
في تلك اللحظة، لاحظتُ أن شفتي أرييل ارتجفتا قليلاً . يبدو أن الأمر كان شاقًا عليها حقًا .
" … أتمنى لكِ أحلامًا سعيدة."
ودّعتها، ثم خرجتُ من الغرفة . وفي اللحظة التي أغلقتُ فيها الباب خلفي ……
[ تم إكمال مهمة "إلقاء التحية على الناس" ! ]
[ كمكافأة، تم فتح "مستوى الثقة".]
[ ارتفع مستوى ثقة "أرييل هوارد" بكِ بنسبة 5%.]
وحين وقعت عيناي على النافذة التي ظهرت أمامي، لم يسعني إلا أن أقطّب حاجبيّ .
… مستوى الثقة ؟
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
ما إن دخلتُ الغرفة حتى انزلقتُ جالسةً على الأرض، وكأن قواي قد تلاشت دفعةً واحدة .
كان اليوم طويلاً … طويلاً على نحوٍ مُرهق .
جلستُ وأنا أدفن وجهي بين ركبتيّ، ثم رفعتُ رأسي بحذر، وقد خطرت لي فكرة فجأة .
إذا فكّرتُ في الأمر، يبدو أنني حصلتُ اليوم على عدد لا بأس به من المكافآت .
في كل مرة كانت تظهر فيها نافذة تُعلن إتمام مهمة، كان النظام يُفتح جزءٌ جديد منه. ويبدو أن فتح الأنظمة هو نفسه المكافأة .
نافذتا المخزون والخريطة كانتا من الأنظمة التي رأيتها سابقًا في 'عزيزتي'.
لكن "مستوى الثقة" … لم أره في أي مكان من قبل.
عقدتُ حاجبيّ لوهلة، ثم فتحتُ نافذة الثقة .
" …… "
لكن خاصية مستوى الثقة التي فتحتها للتو لم تكن موجودة .
تساءلتُ إن كان الأمر يحتاج إلى بعض الوقت قبل أن تظهر النافذة، فانتظرتُ بصمت، مترقبةً ظهورها .
بعد لحظات، ظهرت أمامي نافذة تحذير حمراء .
[ لم يتم استيفاء شروط فتح "مستوى الثقة".]
ما إن قرأتُ الرسالة حتى انعقد جبيني بشدة .
… أي شروط يقصدون ؟
ألم أكن قد استوفيتُ الشروط بالفعل ؟ أم أن هناك مهامًا أخرى مرتبطة بمستوى الثقة ؟
كانت نافذة المهام لا تزال غير متاحة، لذا لم أستطع معرفة ما هي المهام أو المكافآت المتبقية .
وبعد لحظة من التفكير، نهضتُ من مكاني بصعوبة .
على أي حال … يجب أن أنام .
في مثل هذه الظروف، كانت اللياقة الجسدية هي الأهم، فلا يمكن النجاة إن لم يصمد الجسد .
غدًا، مهما كلّف الأمر، عليّ أن أجد أداةً مناسبة وأستعيد الأدلة الموجودة داخل غرفة الألعاب …
وكانت تلك آخر فكرة فكرت بها، قبل أن أستسلم للنوم بإرهاقٍ تام .
****************************