المقدمة : جِلْسَا

المقدمة :

" …… "

كانت إيسو ذات السبعة عشر ربيعًا تقف أمام بوابة منزل العائلة التقليدي العريق، الذي تفوح منه آثار السنين الطويلة. إنه منزل السيد ميونغ دايهو مؤسس سويوندانغ، العائلة النبيلة ذات التاريخ والتقاليد العريقة .

كان محيط المنزل يعج بأهل الحي الذين جاءوا للمشاهدة. وكان الضجيج الصاخب المنبعث من داخل البوابة يعلو حتى وصل إلى خارجها .

جِلْسَا . (حدث سعيد).

اليوم هو يوم قيام سيد أسرة سويوندانغ الجديد و زوجته، بعد انقضاء فترة الحداد التي دامت ثلاث سنوات على والده، بتقديم واجب العزاء لجدّهم من الجيل الرابع . وبما أن المناسبات السعيدة لعائلات النبلاء العريقة لا تتكرر كثيراً، فقد تواجدت العديد من وسائل الإعلام لتغطية الحدث؛ حيث كان يمكن رؤية الأشخاص الذين يحملون الكاميرات السوداء على أكتافهم وهم يتحركون بذهاب وإياب .

كان والدا إيسو يعملان كخدم في منزل سويوندانغ. وقد غادر الوالدان المنزل في وقت مبكر من الفجر، قائلين إن الجِلْسَا هي فعالية ضخمة يحضرها جميع أفراد العائلة المباشرين وغير المباشرين، وبالتالي تتطلب الكثير من التحضيرات .

" استعدي يا إِيُون بسرعة، وأنتِ يا إيسو ابقي في المنزل للدراسة."

خرجت الأم سون إيم صباحاً للعمل، واصطحبت معها الابنة الكبرى إِيُون التي تركت المدرسة الثانوية وكانت تقضي وقتها في المنزل لتساعدها في العمل، بحجة أن الأيدي العاملة لا تكفي .

" أستطيع المساعدة أيضًا، فنحن في فترة الإجازة."

" أنتِ صغيرة، لا يمكنكِ ذلك."

أشارت الأم إلى إيسو بنظرة صارمة وهي ترفض طلبها بالمساعدة .

لم يكن هذا التصرف مقتصرًا على اليوم فقط، فغالبًا ما كانت الأم سون إيم تحاول ألا تكلف إيسو بأي عمل. وفي الوقت الذي كانت فيه إِيُون تُعرف بأنها الابنة الأولى ذات الأيدي الماهرة لعائلة شين، كان وجود إيسو شبه معدوم داخل المنزل وخارجه. لدرجة أن الغرباء لو رأوا الموقف لظنوا أن إيسو هي الابنة الحقيقية و إِيُون هي المتبناة .

" لماذا تجعلينني أنا فقط من يعمل ؟! لماذا أنا فقط ! آآه ! لماذا تضربينني ! "

حتى صباح اليوم، احتجت الأخت الكبرى بقوة على والدتها وانتهى بها الأمر بتلقي ضربة على ظهرها. في الواقع، كانت إِيُون تعبر عن استيائها هذا بشكل متكرر، وفي كل مرة كانت تتلقى فيها توبيخاً شديداً من أمها. وبناءً على هذه الحقائق، قد يظن المرء خطأً أن الوالدين يفضلان إيسو، لكن هذا ليس صحيحًا .

كانت إيسو تدرك تماماً نظرات والديها حينما ينظران إلى إِيُون. كانا يستهزئان بكونها مثيرة للشفقة، لكنهما كانا يبتسمان سراً، وكانت عيونهما تغمرها المحبة. كان ذلك حباً واضحاً، وهو شعور لم تشعر به إيسو قط .

ومع ذلك، لم تكن إيسو تلوم والديهما، بل كانت تعتقد أنها لا تملك حتى الحق في الشعور بالاستياء .

في الحقيقة، كانت هي ابنة أخت أمها الصغرى، التي أنجبتها من علاقة خارج إطار الزواج. تبناها الوالدين كابنتهما، وكان ذلك كافيًا ليملأ قلبها بالامتنان، بل إنهما قد ربيا إِيُون و إيسو دون أي تمييز. لذلك، كانت تعتقد أنه لا بأس بأن تكون درجة حرارة العاطفة الموجهة نحوها أقل قليلاً.

— ( أختي، أنا أمام البوابة.)

أرسلت إيسو رسالة إلى إِيُون. السبب وراء وقوف إيسو أمام بوابة سويوندانغ الآن هو أن أختها هي من استدعتها إلى هنا. لم تكن تعرف السبب الذي جعل إِيُون، التي كانت تخرج لسانها وتسخر منها في الصباح، تستدعيها فجأة إلى سويوندانغ.

لكنها كانت سعيدة بتلقي تلك الرسالة غير المتوقعة من أختها؛ فقد أرادت دائماً زيارة سويوندانغ، المكان الذي يعمل فيه والداها، ولو لمرة واحدة. وفي الوقت نفسه، كان قلبها يخفق بقوة خوفاً من أن يكتشف والداها وجودها هنا، وكأنها ترتكب عملاً سيئاً من خلف ظهورهما .

— ( سأنهي عملي سريعًا ونذهب، انتظري هناك بينما تنظرين حولك ! )

بعد أن تأكدت من رد أختها، خطت إيسو بحذر داخل البوابة المفتوحة على مصراعيها. كان الفناء الواسع يعج بأفراد العائلة الذين يرتدون المعطف التقليدي باللونين الأبيض والأصفر، والجيران، والناس الذين جاءوا لمشاهدة الحدث .

على الرغم من أن الأجواء كانت مهيبة إلى حد كبير، إلا أن ملامح الناس كانت مشرقة. كانوا يراقبون عملية إعداد مائدة المراسم في الفناء بوجوه راضية .

" انظروا، ذلك هو الحفيد للعائلة، ذلك الطفل الذي وُلد بينما كان والده طريح الفراش في المستشفى، قد كبر وأصبح بهذا الحجم، كم يمر الوقت سريعًا ! يبدو ناضجاً جداً لدرجة أنه يمكنه الزواج الآن."

بينما كانت تراقب المشهد بشرود، سمعت صوت أحد كبار السن بجانبها بنبرة مليئة بالرضا. وجهت إيسو بصرها نحو المكان الذي يشير إليه بإصبعه. هناك، كان يقف صبي في سنها تقريبًا، يضم يديه إلى بعضهما بوقار خلف والديه اللذين كانا يرتديان "الدوبو" و "الهانبوك" (الملابس التقليدية) .

كان يقف وسط كبار السن من العائلة، رافعاً ذقنه وظهره مستقيماً، ويحدق إلى الأمام مباشرة . كانت نظراته وتعبيراته المليئة بالثقة، والتي لم تظهر أي ارتباك أمام الكبار، أمراً ملفتاً للنظر .

" …… "

تبادل الكبار الواقفون حولها الحديث عن حفيد عائلة ميونغ هذا، وبفضلهم عرفت إيسو بضع حقائق عنه. إنه حفيد عائلة ميونغ، حفيد العائلة الذي قيل إنه حافظ بأعجوبة على سلالة عائلة سويوندانغ، ذلك الحفيد العزيز والغالي. إنه ميونغ جومين، الحفيد الوحيد للسيدة آن، كبيرة العائلة التي يخدمها والداها .

بينما كانت تراقب الصبي بصمت، انتابها شعور غريب. شعرت بشيء من الكآبة، واضطربت معدتها وكأنها تعاني من دوار الحركة .

وبينما كانت تفكر: ' هل سأضطر أنا أيضًا للعمل في سويوندانغ، من أجل هذا الصبي عندما أكبر، تماماً مثل جدي و والديّ ؟ '

فجأة، شعرت بحضور بارد بالقرب منها، فالتفتت إلى جانبها. كان هناك شاب يقف على بعد خطوات قليلة ويحدق بها بصمت. كان يبرز بوضوح وسط الحشود التي ترتدي الملابس التقليدية ببدلته الرسمية. ربما كان ذلك بسبب طول قامته وملامح وجهه الحادة .

" إما أن تدخلي أو تفسحي الطريق."

بعد ثوانٍ من تلاقي أعينهما، تحركت شفتا الرجل ببطء، كان يوجه الكلام لإيسو التي كانت تقف بجمود .

خلافاً لملامحه الوسيمة ومظهره الأنيق، لم يكن أسلوبه في الكلام مهذباً. وعلى الرغم من أنه كان بإمكانه الالتفاف بضع خطوات من الجانب، إلا أنه كان يصر على المرور من المكان الذي تقف فيه إيسو .

" …… "

رفعت إيسو نظرها لتتأمل الرجل. تحت حاجبيه الكثيفين، بدا أنفه مستقيمًا و عيناه طويلتان مائلتان للأعلى قليلاً، كان وجهه وسيمًا لدرجة جعلت ملامحه تبدو وكأنه ينذر بالشر . كان انطباعه قوياً جداً لدرجة أنها شعرت - بشكل خاطئ - وكأن كل ما حوله من خلفية قد أصبح ضبابيًا .

" ألن تفسحي الطريق ؟ "

عندما رفع الرجل حاجبيه، استعادت إيسو وعيها وسرعان ما تنحت جانباً بضع خطوات. هي كانت مجرد متفرجة، وهو على الأرجح أحد المسؤولين في سويوندانغ أو ضيف مهم، كان من الواضح مَن الذي يجب عليه إفساح الطريق .

احمر وجهها خجلاً من نفسها لأنها ظلت تحدق به بذهول. نظر إليها الرجل بطرف عينه، ثم تقدم بخطوات واسعة وكأنه كان ينتظر ذلك.

نظرت إيسو لظهره العريض وهو يبتعد عنها، ثم عادت لتتأمل المحيط من حولها. ربما لأن فضولها وتوقعاتها بشأن سويوندانغ، كانت كبيرة جداً، لم تشعر بأن المكان مميز كما تخيلت .

لقد سمعت أنه قصر فاحش الثراء، لكنه لم يبدُ فخمًا جدًا كالمنازل التي في المسلسلات .

" … تشه، لا شيء مميز."

تمتمت إيسو بحدة. لم تكن تقصد توجيه الكلام لأحد بعينه، بل كان مجرد تذمر من واقعها، فهي جاءت إلى هنا خفية عن والديها، وتقف هنا بلا هدف .

" …… "

لكن التوقيت لم يكن جيداً على الإطلاق. توقف الرجل الذي كان يسير فجأة، ثم التفت ببطء إلى الخلف. مال برأسه قليلاً وثبت نظره على إيسو، بدا وكأنه أساء فهمها وظن أنها كانت تشتمه للتو .

عندما فزعت إيسو وفتحت عينيها على اتساعها من الارتباك، لاحظ بعض كبار السن وجود الرجل، وأحاطوا به على الفور، وقد بدت عليهم علامات السعادة .

" انظروا من هنا ! أليس هذا جيهان، ابن حفيد السيد كوك سونغهو ؟ كيف حال رئيسنا … عذراً، كيف حال السيد الكبير ؟ "

" أنت مشغول جدًا، ومع ذلك قطعت كل هذه المسافة إلى هنا ! هاهاها."

كانوا يتحدثون بتبجيل مبالغ فيه مع هذا الرجل الذي يصغرهم سنًا بما يكفي ليكون ابنًا لهم، وكانوا يميلون برؤوسهم تقديراً له. قد لا تعرف إيسو هذا الرجل، لكنها سمعت باسم كوك سونغهو من قبل، فالسيد كوك يونغ دون رئيس مجلس إدارة شركة هوغوك للبناء الشهير هو حفيد كوك سونغهو .

" إنه يوم سعيد، وكان من الطبيعي أن آتي لأقدم التهاني."

ارتسمت على شفتي الرجل ابتسامة بدت وكأنها مرسومة رسماً. حتى إيسو، وهي طالبة في الثانوية، استطاعت أن تدرك أنها كلمات جوفاء لا تعبر عما في داخله . كانت عيناه المائلة قليلاً للأسفل تحمل في طياتها مللاً . وفجأة، التقت عيناه بعيني إيسو من فوق أكتاف الناس، فشعرت بالذعر وسارعت بخفض بصرها إلى الأرض .

" إيسو ! "

في تلك اللحظة، ظهرت أختها و وضعت ذراعها حول ذراع إيسو، مما مكنها من صرف نظرها عن ذلك الرجل. كانت إِيُون تلهث بعنف وكأنها ركضت بكل طاقتها .

" أختي، لماذا تتعرقين هكذا ؟ "

كان العرق يتصبب على أرنبة أنف إِيُون وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة .

" أنا … أنا متعبة جداً، هناك من لا يكف عن تكليفي بأعمال شاقة."

بعد أن قالت ذلك، تنهدت إِيُون تنهيدة عميقة كادت تزيح الأرض من تحتها. وفجأة، انتفضت وكأن شيئاً أفزعها والتفتت إلى الخلف، ثم تمتمت بضيق: " تباً، لماذا يفعلون بي هذا ؟ "

نظرت إيسو خلفها بدافع الفضول، لكن لم يكن هناك أحد خلفهما .

" ما الأمر ؟ "

" لا … لا شيء."

" ألن نذهب إلى المنزل ؟ "

" مستحيل، يجب أن ننتظر لنشاهد كل شيء."

أجابت إِيُون بنبرة ممتعضة وهي تشير بيدها نحو طاولات مائدة المراسم .

بدأت المراسم، حيث أحضر كبير العائلة وكبار القائمين على المراسم لوحة الأجداد من ضريح العائلة. بعد ذلك بوقت قصير، وُضعت ألواح الأجداد بعناية على طاولات المائدة الخمس، وبدأت الطقوس بانحناءات جماعية من الأحفاد، الذين خلعوا أحذيتهم واصطفوا في الفناء.

" ذلك الرجل هو وريث سويوندانغ الجديد، الرسام ميونغ غيو تشول."

" لست مهتمة بهذه الأمور."

" استمعي على أي حال، فكل معلومة مفيدة."

قالت إِيُون ذلك بحدة وهي تنظر إلى الرجل الذي كان يركع أمام طاولة المائدة الأولى. وبعد تلك النبرة الفظة، بدأت تقدم شرحاً مفصلاً لا يتناسب إطلاقاً مع حدة صوتها. وبينما كانت تتحدث، كانت تلتفت بين الحين والآخر بجانبها بخوف، رغم أنه لم يكن هناك أحد .

" …… "

راقبت إيسو بصمت الرسام ميونغ غيو تشول وهو يرفع كأساً ذهبياً متلألئاً مملوءاً بالخمر ليضعه على الطاولة، ثم انحنى باحترام. وعندما انتهى دوره، بدأت المراسم الثانية، حيث قدمت زوجة كبير العائلة -التي كانت ترتدي زيًا تقليديًا أنيقًا- الاحترام لأسلاف العائلة أيضًا .

كانت تلك هي المراسم السعيدة للجيل الثالث عشر من عائلة سويوندانغ. في ذلك اليوم نفسه الذي كانت فيه السماء زرقاء وصافية تماماً، اختفت لوحةٌ فنية لا تقدر بثمن للرسام الراحل ميونغ غيجونغ دون أن يترك لها أثرًا .

****************************

*

إرسال تعليق (0)
أحدث أقدم

اعلان